Advert Test
Advert Test

الفلسفة و السوسيولوجيا : أية علاقة

لفلسفة والسوسيولوجيا : أية علاقة ؟

إن إنكار تفرع العلوم من الفلسفة كإنكار ولادة الفرد من أنثى ، إذن فمن غير المعقول إنكار الأم ، ومن البديهي التسليم بأن جميع العلوم خرجت من عباءة الفلسفة ، بحكم كون هذه الأخيرة هي أم العلوم ومهدها . لكن ما هي العلاقة التي تربط الأبناء بأمهم  ؟ وأخص بالذكر علم الإجتماع ؛ إن وجدت هذه العلاقة أصلا ؟ وما هي الوظيفة التي أصبحت تؤديها الأم بعد إستقلال الأبناء ؟ و ما الذي جعل الإبن ينسحب من منزل أمه ؟ و ما أوجه التشابه بين الأم وإبنها في طريقة العيش ؟

إن الخوض في موضوع كهذا أشبه بالسفر إلى بلاد بعيدة عبر وسيلة نقل لا تعرف مدى صلاحيتها للتنقل ، وهذا ما ينطبق علي في هذا المقال البسيط ، حيث أردت أن أخوض غمار التحدي والكتابة في موضوع كبير أسيلت حوله أطنان المداد ، ونشرت حوله مئات إن لم أقل آلاف الكتب ،  لكني سأكتب وأنا على يقين أني متطفل على هذا الموضوع ، لكن لا بأس إن تطفلت من أجل الفضول العلمي ؛ كيف لا وأني أعشق الأم  والإبن ، وإن كنت مصاحباً للإبن ، لكن هذا لا يمنع من أني لا أعرف أمه على الأقل في صورتها العامة . إن الحديث عن الفلسفة يتطلب تحديداً زمنياً ، فبين الفلسفة والزمن علاقة جدلية ، لأن لكل زمن فلسفة خاصة ، لكن الذي لا شك فيه أن الفلسفة كانت تضم تحت لوائها جميع العلوم ، حيث كان الفيلسوف موسوعة يتحدث في شتى الميادين ، فتراه تاريخياً وأنتروبولوجيا وسيكولوجيا وإتنوغرافيا ورياضيا وفيزيائيا وبيولوجيا وطبيبا وموسيقيا … حقا من يتحدث في كل هذه الموضوعات وأخرى -لا يسعنا المقام لذكرها كلها- يستحق أن يوصف بالموسوعي ، لكن التطور والتراكم المعرفي الذي شهده كل حقل من هذه الحقول المعرفية ومساهمات الفلاسفة في هذه السيرورة المعرفية  عجل بالإستقلال عن الأم “الفلسفة” ، فبداية مع العلوم الطبيعية ونهاية مع العلوم الإنسانية ، لكن الذي يهمنا في هذا المقال هو علم الإجتماع الذي نال شرف الإستقلال عن الفلسفة في القرن التاسع عشر ، تزامناً مع حدث الثورتين الصناعية الإقتصادية التي بدأت من بريطانيا والسياسية الفرنسية التي قلبت موازين الحكم هناك . إذن فالعلاقة بين الفلسفة وعلم الإجتماع علاقة الأم بالإبن ، بحكم أن موضوعات علم الإجتماع كان يطرحها الفلاسفة أنذاك وتدخل في إطار فلسفة التاريخ و الفلسفة الإجتماعية ، لكن ليس كل إبن يشبه أمه ؛ وهذا ما ينطبق على هذا المولود -الجديد /القديم – حيث تفرد علم الإجتماع بموضوع ومنهج خاص وتقنيات محددة جعلته علماً قائم الذات ، ولم يعد فلسفة للتاريخ أو فلسفة إجتماعية تجريدية ، بل علم قائم على أبحاث ميدانية وأطر نطرية يستند عليها . إن علم الإجتماع بعد الإستقلال أصبح يعنى بموضوع معين وإن إختلف مؤسسوا هذا العلم في تحديده بالضبط ؛ حيث ذهب الفرنسي “أوكست كونت” إلى اعتباره علماً يعنى بالدراسة الواقعية المنظمة للظواهر الإجتماعية ، بينما الألماني “ماكس فيبر” إعتبره العلم الذي يحاول الوصول إلى الفهم البين للفعل الإجتماعي من أجل أن يصل إلى تفسير له . هذا الإختلاف في تحديد موضوع علم الإجتماع يمكن تفسيره بطبيعة الموضوع المعقدة من جهة ، وإختلاف المرجعيات الإبستمولوجية من جهة أخرى ، بحيث أن الأول إستند على البراديغم الشمولي الماكرو سوسيولوجي ، بينما الثاني ركن إلى البراديغم الفرداني نسبة للإنطلاق من الميكرو سوسيولوجي لتفسير الواقع .  إذن هذه هي الوظيفة التي أصبحت تحاول السوسيولوجيا القيام بها وذلك عن طريق دراسة الجزئيات ومحاولة تعميم تلك النتائج على مجتمع الدراسة . أما الفلسفة بعد إستقلال العلوم ، أصبحت تعنى بالبحث عن العلل الأولى للأشياء والظواهر الكونية المختلفة ، بما فيها ما يدرس علم الإجتماع . إذن الفلسفة تبحث في الكليات والعموميات ، بينما العلوم تبحث في الجزئيات كما هو الشأن بالنسبة للسوسيولوجيا التي لها موضوع بعينه وهو الإنسان في علاقته مع الجماعة ، ولكي تتضح الصورة أكثر ؛ فإن الفلسفة تهدف إلى دراسة مجريات الكون كله وسبب نشوئه وعوامل قيامه ، بينما السوسيولوجيا تهتم بدراسة جزء صغير أو ظاهرة إجتماعية معينة مثل الإنتحار أو الطلاق … وتعتمد المنهج العلمي باستخدام أدوات البحث العلمي والتحليل الإحصائي ، بينما الفلسفة لا تعتمد على هذه الأساليب أثناء الدراسة ، تكتفي بالتنظير دون الحاجة إلى الخروج إلى الواقع للتجربة و الإختبار ، أي أن منهجها نظري عقلي . أما علم الإجتماع فمنهجه علمي يعتمد على الملاحظة المباشرة والغير مباشرة ، ويهتم بعلاقة الفرد بجميع أفراد مجتمعه الذي يعيش فيه ، في حين أن الفلسفة تهتم بدراسة علاقة الإنسان بجميع الكائنات الحية ، هذه إذن هي أهم التقاطعات والإختلافات بين الحقل الفلسفي والحقل السوسيولوجي لكن هل هذا يعني أنه لا توجد نقط إلتقاء بينهما ؟

بلى ، بالعكس من ذلك ، توجد نقط يلتقي فيها الإثنين معاً ، ًنلخصها إجمالاً في وجود فلسفة لعلم الإجتماع تهتم بدراسة منهجه والمفاهيم المستخدمة فيه ، وعلم الإجتماع حسب أحد مؤسسيه يؤدي إلى ظهور الفكر الفلسفي ، بحكم أن علم الإجتماع أكثر من أي علم آخر ساهم في تجديد التساؤلات الفلسفية وكونه وجد للبحث عن علاقة الإنسان بالمجتمع الذي يعيش فيه ، كذلك الفلسفة توجد أيضا لخدمة الإنسان . إذن هذه هي أهم التقاطعات ونقط الإلتقاء بين كل من الأم والإبن أو بعبارة أخرى ” الفلسفة والسوسيولوجيا ” من حيث الموضوع والمنهج المعتمد لدراسة ذات الموضوع . والسبب الذي جعل الإبن يخرج من منزل أمه هو حاجته لتحقيق ذاته كإخوانه الذين سبقوه ، ولأن متطلبات العصر تتطور كان لزاما عليه أن يستقل ، إذن علم الإجتماع إنفصل عن الفلسفة لسبب مهم هو أن المجتمع تطور وأصبح في حاجة لعلم خاص يهتم بدراسة ظواهره المعقدة التركيب ، وداخل علم الإجتماع نفسه هناك تخصصات عديدة ، كعلم إجتماع الثقافة ، الصحة الفن ، الحضري ، القروي ، السياسي … وأخيرا أتمنى أن أكون قد توفقت في مساعدة القارئ في هذا المقال على تكوين فكرة عامة عن الفلسفة وعلم الإجتماع ، بين الإنفصال والإتصال بينهما من حيث الموضوع والمنهج المعتمد ، وأيضا أن يكون هذا المقال بداية أخرى ودافعاً لفتح النقاش والبحث الجاد حول هذه القضية العلمية النفيسة و البالغة الأهمية لارتباطها بالإنسان بكل تفاعلاته.

صاحب المقال:
يوسف الحسيني
2017-09-28

اترك ردا

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

العالم24
%d مدونون معجبون بهذه: