Advert Test
Advert Test

الثورة الإقتصادية


محمد بنهيمة –

علاقة الدولة بالمواطن كعلاقة الأب بأبنائه، المسؤول على تربيتهم و تحقيق متطلباتهم، تفويض مهمة الإستثمار و التشغيل من طرف الدولة للقطاع الخاص، كعندما يفوض الأب مهمة تربية أبنائه لشخص أجنبي… الليبرالية كمذهب إقتصادي فرض وجوده بشكل مطلق عن باقي المذاهب، بتبنيه مبدأ إتخاذ المبادرة الحرة فالإقتصاد و حرية الإستثمار، لكن هل بإمكان الليبرالية أن تنجح في جميع دول العالم كيفما كانت بنياتها الإجتماعية، الإقتصادية و السياسية؟ الهدف الأسمى لأي نظام إقتصادي هو تحقيق رفاهية و سعادة الأفراد لكن وسيلة تحقيق هذه الرفاهية تختلف حسب خصائص كل دولة و مجتمع، فعندما قررت الحكومات الأوروبية و الغربية خوصصة الشركات العمومية و تأهيل قطاع الخاص و تشجيع حرية الإستثمار و المبادرة الحرة، فكانت تعلم مسبقا أن المقاول الأوروبي أو الغربي سيكون مخلصا لوطنه، و سيقوم بتأدية ضرائبه كما ينبغي مما سيرفع مداخيل الدولة لتحقيق العدالة الإجتماعية، و سيسعى لخلق فرص شغل معتبرا التشغيل مسؤولية وطنية للمقاولة، فقامت حكوماتهم بالإعتناء بالفئات الهشة و الفقيرة و نهج سياسات إجتماعية كالدعم المباشر للفقراء و التعويض عن البطالة..إلخ، و حسنت من جودة الخدمات العامة كالصحة و التعليم و التشغيل، فكل هذا كان من فضل الضرائب التي كان يقوم رجال الأعمال بتأديتها على أحسن وجه، لأن المبدأ الذي جائت به الضريبة هي التوزيع العادل للدخل و الحد من التفاوت الطبقي، و لأن الحكومات و الأنظمة التي تحترم شعبها، تعتبر أن تحقيق هذه الرفاهية الإقتصادية من مهمتها الرئيسية. أما المغرب، ساعات بعد إستقلاله، إختار الرأسمالية المتوحشة نظام إقتصادي له، دون دراسة البنية الإقتصادية و الإجتماعية البلد، و ها هي النتيجة واضحة أمامنا اليوم… أصبحت بلادنا يضرب بها المثال في الفقر و التخلف. تم تفويت القطاعات الإستراتيجية للقطاع الخاص، التي كانت من المفروض أن تكون شركات في ملكية الدولة لتمنية مداخيلها مما سيمكن من تحسين جودة الخدمات العامة و القضاء التدريجي على الفقر، فقبل هذا التفويت، كان تقدير الدولة أنها ستجني مداخيل إضافية من الضرائب الذي سيقوم بتأديتها القطاع الخاص، فماذا كانت النتيجة؟ حسب بعض أخر الإحصائيات، أكثر من 165.000 شركة مغربية، فقط 10 % من يقومو بتأدية ضرائبهم بشكل صحيح، في مجتمع له موروث ثقافي سلبي معتبرا أن الدولة ” تسرق ماله ” من خلال الضريبة، فلا بطالة تمت محاربتها من طرف القطاع الخاص ولا ضرائب تم جنيها من طرف الدولة لتحسين جودة الخدمات العامة، ولا رفاهية إقتصادية تم تحقيقها للمغاربة، الليبرالية نظام قام بترسيخ ثقافة الريع الإقتصادي، و قام بتفقير الفقراء أكثر مما كانوا عليه و وضع الدولة أمام مأزق يتطلب قرون لتصحيح هذا الوضع. إن الحل أكثر واقعية و منطقية في الوقت الراهن، هو إعادة إحتكار الدولة لبعض القطاعات الإستراتيجية و أن تصبح الدولة ” المقاول الأول ” في البلاد، مع إحترام مبدأ حرية الإستثمار بالنسبة للأفراد، و بداية بناء نظام مختلط يراعي مصالح المستثمرين و الفئات الهشة.

2017-09-29 2017-09-29

اترك ردا

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

العالم24
%d مدونون معجبون بهذه: