Advert Test
Advert Test

الغزو المعلوماتي

نعيمة الهايل

شهد النصف الثاني من التسعينات، انفجارا في حاضر الإنترنت على المستوى العالمي حيث ارتفع عدد مستخدمي الشبكة من 95مليون عام 1998م إلى 350 مليون عام 2003″م.


إن هذه الثورة الرقمية ساهمت ببروز ما يسمى الغزو المعلوماتي(المعرفي)، الذي أرخى بظلاله على العديد من المجالات، فلا يمكن إنكار ما حققته من إنجازات: فجعلت العالم قرية صغيرة وعملت على إذكاء التواصل ونشر المعلومات بسرعة كبيرة.


الأمر بلغ ذروته خاصة في السنوات الأخيرة من خلال ما تم ابتكاره من وسائل التواصل الاجتماعي التي تعددت وتباينت وازداد التداول عليها من مختلف طبقات المجتمع، ويمكن اعتبارها أكثر ترويجا من قبل الشباب لمواكبتهم لكل تغيير.
وأمام هذا المد المعلوماتي العاتي لم يجد أي مقاومة من قبل الشباب، فباتت انعكاساته السلبية تتناسل يوما بعد يوم، حيث ضربت جذور القيم المجتمعية وباتت رياح العولمة تقتلع كل ما دأب التاريخ علي تثبيته من حضارة وتراث وأصالة.


ولأننا نحن المجتمعات العربية مجتمعات مستهلكة أكثر منها منتجة، كانت ملامح التغيير أسرع تربصا بأفرادها، فغدا هاجس كل فرد تقليد المجتمعات الغربية في أسوأ ما تمتلكه من خلال برامج وإعلانات ترويجية لعاداتهم وثقافاتهم وكثير من الأحيان حتى دينهم.


أسهمت مواقع التواصل الاجتماعي إلى احتكاك الشباب بثقافات وقيم ومبادئ مجتمعات أخرى، ونظرا لضعفهم الثقافي ولخبث المتحكمين بتلك الشبكات، سقط العديد من أفراد مجتمعاتنا بفخ التقليد السافر للغرب ظنا منه أنه بلغ أعلى مستويات التحضر أو لأن ضرورة الحياة تفرض المواكبة، فشابت الساحة المجتمعية ظواهر غريبة في الملبس والأكل والشرب والاهتمامات وحتى اللغة، فتحول المجتمع العربي إلى صورة مستنسخة من المجتمع الغربي.
إن الأخذ بكل ما ينتجه الغرب ليس صائبا دائما، فالغزو المعلوماتي أدى إلى انحلال وفساد أخلاقي، فإن كان الشاب العربي يدأب على تقليد كل ما هو مختلف عن مجتمعه وينبذ ثقافته وعراقة حضارته، فماذا سيورث للأجيال القادمة؟ إنها أزمة أخلاق وثقافة وتستدعي منا التبصر بالأمور بشكل منطقي وبأكبر حكمة، فلا ضير أن نواكب عصر العولمة، أن ننخرط في هذا التطور التكنولوجي، لكن بالحفاظ على قيمنا المجتمعية وهويتنا لأنها تاريخنا المقدس، فلا خير في حاضر دون ماض ولا مستقبل بضياع حاضر.


ونافلة القول، عاشت الدول العربية خلال حربين ماضيتين أسوأ أنواع الاستغلال، وذاقت شعوبها ويلات القهر والجبروت ودفعت ثمن تحررها دماء، إلا أن ملامح الحرب بهذا القرن تتخذ ملامح الاحتلال الفكري، فالغزو المعرفي ليس إلا سلاحا فتاكا يسلب من شبابنا قدرته على التعلم والبحث والاجتهاد والابتكار والعمل بما يعود على مجتمعه بالنفع، ليسهل هزيمته مستقبلا واستغلال خيراته بحرب دون مقاومة.

2019-06-07

اترك ردا

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

العالم24
%d مدونون معجبون بهذه: