إشارات إلى الحجر الصحي في تاريخ المغرب “

إن حياة المجتمعات و تاريخها بصفة عامة لم يخلو من مستعصيات و عراقيل السير نحو الأمام و التقدم التاريخي ، أحيانا تشهد نموا على كل المستويات و أحيانا أخرة تستسلم لوقع الطبيعة الغاذرة و القدر المحتوم ، فمنطق الطبيعة لا يعترف بدولة على حساب أخرى و إن نزلت لعنة الجوائح و الأوبئة و الكوارث فهي لا ترحم من في طريقها و قد تجعل من أقوى الدول و أضعفها تتساوى في استعمال الفرار و الحجر و الإنزواء و المكوث بل الهروب أيضا … ( الاقتصاد ، السياسة ، المجتمع ، السكان و الحركية و التجارة… ) فلطالما عانو المغاربة من آثار الظروف الطبيعية إد تعاقبت فترات الجفاف و المجاعات و الأوبئة التي تفاقم وقعها بسبب وثيرتها المتسارعة ، فهي لم تكن تسمح للناس بإلتقاط أنفاسهم و تجاوز محناتهم و التي تتماشى بنوع مع إيقاعات البؤس و القحط و الدمار ( محمد القبلي يصف فترة الخامس عشر و ما تلاه بإيقاعات القحط و الوباء ) .

في الظرفية الحرجة طرح المجتمع المغربي بصفة عامة مجموعة من التساؤلات المتعلقة الأوبئة و الأزمات و الكوارث الطبيعية التي مرت بتاريخ المغرب الأقصى، فمنهم من تسائل كيف تغلبت الدولة المركزية التي تعاقبت على حكم المغرب ( المرابطين والموحدين تم المرينين ) على الأوبئة في زمن حكمهم خلال فترة العصر الوسيط ، منهم من رأى في خطط السلاطين المهارة و الإتقان في التغلب على الأوبئة و إتقان استراتيجية تدبير الأزمات رغم الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المضطربة.

و منهم من حاول ترجيح البعد الديني و القدرة الربانية ، في حين تطرق المعاصرون إلى أزمة المولى الحسن و كل الأوبئة التي عرفها المغرب زمن العلويين ، و لعل أبرز مثال على ذلك؛ لما فتك الطاعون الكبير بالمغرب في زمن حكمه ، هنا نستحضر جرمان عياش لما تحدث عن الأوبئة و الأزمات و الكوارث الطبيعية بالمغرب و يقول ” فمالت القبائل إلى الإنزواء بما في ذلك من تأثير في استقرار الدولة السياسي و ما يترتب عليه من فترات الاضطراب و التي تزيد في تفاقم الحالة و تصبح فيها الأمة عزلاء إزاء الكوارث الطبيعية؛ كالمساغب و الأوبئة … فأبيدت الأموال و أبيد العباد بلسان جرمان عياش طبعا ) و إلا فماذا عن نجاة المغرب من موجة الكوليرا ١٨١٧- ١٨٢٤ و ما تلاها من الموجات و الأزمات ، حيث كانت بؤرة الكوليرا أنذاك البنغال و الغانج بالهند .

حيث إنتقل إلى بقية العالم عبر الجنود و التجار العابرون للمحيطات وعبر التجمعات الدينية (الجزيرة العربية بالتحديد موسم الحج) ، تماما كما يحدث الآن من انتشار لكورونا في التجمعات ( إيطاليا حاليا ) ، مما جعل الناس يلجؤون إلى حلول تقليدية أنذاك ، و من بينها الإنزواء أو الهروب من ويلات البادية الى الحاضرة ، أو الهرولة في اتجاه الجبال و كأننا في معركة أو حرب مع الروم ، أورد محمد أمين البزاز في كتابه «تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب» تفشى الوباء (الكوليرا) سنة ١٨٣١م . كما عرف المغرب ظهور الكوليرا مرات عديدة خلال القرن التاسع عشر حيث غزاه مرتين: الأولى و هي الأشد فتكا من ١٨٥٤م إلى ١٨٥٥م ، والثانية من ١٨٥٩ إلى ١٨٦٠م . إذ فتك الوباء بالمجتمع المغربي فتكًا ذريعًا ، حيث قدر عدد الضحايا لليوم الواحد ٤٠٠ أو ٥٠٠ شخص ، و هي إشارة واردة عند عبد السلام بن محمد بن عبد القادر صاحب كتاب «إتحاف المطالع» .

و الجذير بالذكر أن المجتمع المغربي هرب من ويلات هذا الوباء إلى الحواضر ، فمنهم من وصل الحواضر و منهم من فتك به بالطاعون و مات في طريق النجاة . كما ورد في بعض المقالات أيضا يروي المؤرخ المشرفي في «أقوال المطاعين»: ” فكان البدوي يأتي إلى الحاضرة فلا يرجع لأهله إلا ميتًا محمولًا على الدواب” و في الحقيقة هي إشارة دالة على نوع من الحجر الصحي بطريقة أو بأخرى ، لأن الهروب من مكان الوباء إلى مكان آمن بمثابة وقاية و حجر صحي حتى تنتهي الكارثة ، و دعونا هنا نستحضر قولة لعمر بن العاص لما كان يخاطب في أهل الشام قائلا ” أيها الناس إن الطاعون كالنار المشتعلة و أنتم وقودها فتفرقوا و تجبلواحتى لا تجد النار ما يشعلها “.

كما عرف المجتمع المغربي أيضا وباء الطاعون الكبير ما بين ١٧٩٩ و ١٨٠٠ و الذي وصل به الأمر إلى الفتك بأكثر من ألف شخص في اليوم حسب الإشارات الواردة عند محمد المنصور في كتاب “المغرب قبل الاستعمار” حيث أن المغرب فقد من جراء هذا الطاعون ما بين الربع والنصف من مجموعة سكان البلاد ، مما أدى إلى تقلص عدد السكان إلى أعداد ضئيلة لا تتماشى مع الوضعية أنذاك على مستوى جمع المحاصيل و العكسر و ما إلى ذلك ، و ما يتضح من خلال هذا الطاعون الكبير الذي صادف فترة حكم المولى سليمان ؛ أنه لا يمكن الحديث عن هروب الناس من الطاعون نظرا لكون ،هذا الأخيروصل إلى الناس في مجموع البلاد عن طريق جنود المولى سليمان عند تنقلاته في البلاد لإخضاع بعض المناطق ، و هنا تكمن المشكلة لأن هذا الوباء مرض به الجنود دون علمهم لربما مما سارع في انتشاره في كل المناطق التي زارها السلطان .

كما وردت إشارة عند صاحب كتاب الفوائد الجمة تدل على حجر صحي في نظرنا فربما الحجر الصحي لا يستدعي بالضرورة المكوث في البيت حسب فهمنا لهذا ، و لكن الأمر يحسم حسب نوعية الوباء ، للنجاة من هذا الوباء الفتاك حيث قال عبارة هي ” ولما وقع هذا الطاعون بالمغرب سنة ١٥١٦م … وأما اهل مراكش وتارودانت فتفرقوا له في البادية والجبال ” ، و نستحضر إشارة من منشورات محمد البزاز ضمن سلسلة ندوات و مناظرات رقم سبعة من منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانية الرباط فلم تكن توجد أية إدارة وطنية للحجر الصحي ، كما لم يكن أي محجر لعزل الموبوئين… فالإنسان المغربي في القرن التاسع عشر كان إذن أعزل تماما عند ظهور الوباء و الوسيلة المألوفة التي يلجأ إليها هي الفرار ، و استند البزاز هنا في كلامه على الحجوي و الناصري و المشرفي التأكيد لتوضيح كلامه .

يبدو أن الأمر الآن ليس كما سبق ، فالعالم الآن يعيش وباءا من نوع آخر يستدعي منا جميعا المكوث في البيت و ليس الهروب إلى الجبال و السهول و الهضاب أو حتى إلى الشارع، كورونا وباء أو فيروس ينتقل بسرعة و في أبسط الحالات يمكن أن تجد نفسك مصاب به بل و حتى يمكن أن تصيب به غيرك بدون علمك و هنا تكمن خطورته ، بل أكثر من ذلك إنه أمر لا يرتبط فقط بالمرض بقدر ما يرتبط أيضا بنظرية المؤامرة و الصراعات السياسية الدولية حول مسألة زعامة العالم.

قد يعجبك ايضا
Loading...