رقاة_تجار_المآسي

هشام الدرايدي

انتشرت بالسنوات الاخيرة تجارة مربحة في مآسي الخلق و العباد، بداعي رفع المس من الجن و السحر، سالبين اموالا مهمة ثمن كل جلسة قراءة القرآن على المريض، ففي اوائل الالفية الثالثة بدات بقنوات فضائية لاشخاص يتلون ايات بينات من الذكر الحكيم و معوذات و كل واحد له صفة الراقي الدكتور الفلاني او العلاني، مستشهدين باحاديث نبوية شريفة تعلل ان الرقية الشرعية احدى اهم العلاجات التي اوصى بها النبي صلى الله عليه و سلم، و التي اثبتت نجاعتها في تاريخ السلف الصالح، الامر الذي لم ينكره علماء الدين، حتى النبي الكريم صلى الله عليه و سلم و هو الذي لا ينطق عن الهوى،نهى عنها لما في الابتعاد عنها خيرا مستحبا رغم استعمالها للضرورة الملحة و اوصى امته اجمع باتباع سنته بالدعاء للمريض هذا الدعاء حسب ما جاء في صحيح البخاري “عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى مريضاً أو أتي به قال: ((أذهب الباس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً))[2].

كما ان من سنن الرسول الكريم فالذي يرقي الناس بالقرآن قد أحسن بذلك، والغالب أنه ينجح إذا كان صادقاً طيباً مؤمناً، ينفع الله بقراءته ويجيب الله دعوته، أما كية النار وشربة العسل ففيها حديث صحيح، يقول النبي ﷺ: الشفاء في ثلاث: شربة عسل، أو شرطة محجم، أو كية نار، وما أحب أن أكتوي رواه البخاري في صحيحه رحمه الله.

و الشاهد هنا ان اي شخص يمكن ان يرقي نفسه او غيره مخلصا النية لله وحده و مبتغيا جزاء اجر الاخرة و ثوابها لا مال الدنيا و اثامها، فيصدق منه القول و الدعاء بالقران و يجزى بفعل العظيم الجبار، و هذه هي اسس الرقى الشرعيين، و يبطل الامر اذا ما اصبح تجارة بين الناس و البيع و الشراء بالقران، و تحديد سومة للحصة، اللهم ان هودي الراقي لوجه الله من المسترقي مرغما لا راغبا لحادثة احد الصحابة الكرام، عن ابن عباس أن نفرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مروا بماء فيهم لديغ – أو: سليم – فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم راقٍ؟ إن في الماء رجلاً لديغًا – أو: سليماً – فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاءٍ فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرًا؟ حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله أجراً. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله))[1].

كما هناك احاديث اخرى في صحيح البخاري نهى الرسول فيها تجنب الرقية و الاسترقاء لا محرما اياها و لا مكرهها، في حديث اخر ” يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً ‏بغير حساب. قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: ” الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا ‏يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون” رواه البخاري ومسلم.‏
لكننا بتنا نرى استرزاقا ما ورائه استرزاق بكلام الله حتى اصبح معظمهم من قاطني الشقق و الفيلات و راكبي السيارات الفخمة و تحديد اثمنة للحصة تبدا بمئات الدراهم الى مبلغ كبير، دون جدوى تنفع المسترقي، و انتشرت هاته التجارة بالوسط المجتمعي كالنار في الهشيم، فبات من هو بحارا او نجارا او عاطلا و مستواه لم يتعدى الاعدادي و كتاباته ملؤها اخطاء املائية، و بذقن منفوشة يمتهن هذه المهنة للتحسين من ظروف عيشه “بالراقي فلان ابو فلان او الراقي فلان ابن علان”، اسماء لها دلالة سلفية توهم المرضى المساكين بتقوى الرقاة، فيلجون بيوتهم لسماع بضع ايات من الذكر الحكيم مقابل حصة مدفوعة الاجر، قال رب العزة فيهم ( اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9).

قد يعجبك ايضا
Loading...