طرسانة تعيد ترميم ذكريات أليمة من حرب الصحراء في قالب روائي وتؤرخ لقصة حب نادرة نواحي وزان

قليلة هي الكتابات التي تناولت قضية حرب الصحراء المغربية في جانبها الإنساني، الحرب التي جرت أطوارها بين المغرب من جهة وجبهة البوليساريو من جهة أخرى بين منتصف سبعينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي والتي انتهت بإتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين تحت رعاية الأمم المتحدة،.

فإذا كانت الحروب تنتهي بمنتصر ومنهزم وأحيانا تبقى حالة لاحرب واللاسلم هي سيدة الموقف، لكن المؤكد أن الحروب تترك جروح غائرة لا تندمل مهما طال الزمن لمن خبر مآسيها ومعها عشرات القصص الحزينة التي تبقى طي الكتمان إلا من ذاقوا مرارتها، لكن للحروب وجه آخر نادرا ما يتم التطرق إلى فصولها التي تمتزج فيها قصص الحزن والحب والوفاء والخيانة والجبن والشجاعة، فجاءت رواية طرسانة للروائي عبد العزيز العبدي لتعيد ترتيب مشاهد مختلفة ومتناقضة في قالب روائي فني من حرب الصحراء ليسلط الظوء على الجوانب الخفية من هذه الحرب مقتبسا مشاهدها من قصة واقعية نواحي مدينة وزان، فالكتاب يغوص بك في عوالم مختلفة وقصص ومشاهد حزينة، احيانا تدفعك إلى ذرف الدموع رغما عنك التي تنهمر على خديك بغزارة وكأنك جزء من القصة.


الراوي يرصد من خلال فصول طرسانة مشاهد من الحياة البسيطة في البادية المغربية حيث القيم المحافظة هي السمة الأساسية في المناطق الريفية بداية سبعينيات القرن الماضي مع مشاهد ترمز إلى بساطة العيش والحلم الذي يراود اغلب شباب الدوار في غد أفضل هروبا من رتابة الحياة المحصورة بين الجبال الشاهقة والوديان العميقة.

ليتنقل الراوي إلى سرد قصة حب جمعت بين عبد الرحيم الشاب الخجول وبهية الفتاة البسيطة المحتشمة فكانت طرسانة “رمز لشجرة معمرة تقع على تلة بمقربة من الدوار” وبما أنهما معا كان يرعيان الغنم والمعز طيلة أيام السنة فكان لابد أن يسقطا في الغرام لكن دون أن يبوح أحدها للآخر بما يختلج قلبيهما من مشاعر الحب والإعجاب بسبب ثقافة البادية المحافظة، كما عمل الراوي على تسليط الضوء على مظاهر الحياة في الدوار من جوانب مختلفة، وبما أن جل الشباب يطمحون إلى تغيير مستوى عيشهم إلى الأفضل والهروب من رتابة العيش في الدوار لتحقيق حلم النجاح ومساعدة الأسرة الفقيرة، جاءت فرصة الإلتحاق بسلك الجندية للشاب عبد الرحيم لتحقيق حلم الزواج بالشابة بهية التي يعشقها في صمت حتى النخاع وكذا لمساعدة والدته في تدبير أمور الحياة الصعبة، لتبدأ فصول مرحلة جديدة من حياة الشاب عبد الرحيم فمن مركز القيادة إلى ثكنة عسكرية بمدينة خريبكة حيث تعرف على أحمد خلال فترة التدريب العسكري لتربط بينها صداقة مثينة لكن صورة بهية محبوبته لم تفارقه ولو لحظة واحدة، ليعود الشاب إلى الدوار في اجازة بعد انقضاء فترة التدريب محملا بالهدايا لأمه وبهية وصديقه إبن الدوار الذي كان شاهدا على فصول عشقه لبهية، حيث تمت خطبة بهية بشكل رسمي بحضور أسرتهما وفق تقاليد المنطقة.


لكن فترة الإجازة لم تدم طويلا ليعود عبد الرحيم إلى ثكنته العسكرية في أفق العودة من أجل حفل الزواج بالفتات التي ملكت قلبه دون أن يدرك أنها رحلة اللاعودة، فمن خريبكة حيث مقر الثكنة العسكرية إلى إحدى مدن الجنوب ليخطب فيهم ضابط عسكري ويخبرهم أن وجهتهم هي رمال الصحراء حيث كانت تدور في رحاها حرب طاحنة بين المغرب ومليشيا البوليازاريو ، لكن بعد أول مهمة قتالية يسقط عبد الرحيم في الأسر إلى جانب بعض أصدقاءه الجنود فيما استشهد صديقه المقرب في تلك المهمة الفاشلة بسبب المدرعات الرديئة التي كانت تبدو جديدة من خلال مظهرها وكما أخبرهم بذلك قائدهم الذي كان يحلق بطوافته العسكرية في الجو ينظر إلى مصيرهم المحتوم.


وبعد اقتياد عبد الرحيم ورفاقه إلى الأسر بدأت رحلة أخرى إلى مصير مجهول حيث التعذيب بمختلف صنوفه والإهانة والإذلال ومعها تبدأ الأسئلة الكبرى حول جدوى الحرب ولأجل من نحارب اصلا؟ ولماذا تم الكذب عليهم بشأن المهمة العسكرية والأسلحة المتهالكة التي تم تزويدهم بها؟ ومن المستفيد الحقيقي من هكذا حروب مدمرة؟ مرت أيام وشهور وسنوات في جحيم المعتقل لا جديد فقط ذكريات جميلة وحزينة والخوف على مصير حبيبته بهية هل ستنتظره أم ستتزوج؟ لتتداخل مشاهد مختلفة ومتضاربة حول يوميات المعتقل وذكريات الدوار لكن على صخرة الواقع المرير كانت تتكسر كل الأسئلة.


لكن في رغم قساوة ظروف المعتقل لسنين طويلة كانت هناك قصص إنسانية ممزوجة بشجاعة قل نظيرها جسدها الملازم أول علال الذي كان معتقلا أيضا فعلال نموذج للضابط الشجاع والمثقف الذي كان يحاور قادة الانفصاليين بكل جرأة وشجاعة مما جعله يحظى بالاحترام والتقدير بينهم الأمر الذي مكنه من الاستفادة من ظروف اعتقال أفضل أشبه بحرية السجان، لكن الملازم أول علال هو الآخر كانت له ذكريات جميلة وآليمة في آن واحد فزوجته التي كان يعشقها حد الجنون تخلت عنه مع مرور الزمن رغم وعدها له في البداية عن طريق الرسائل المتبادلة بينها، فعبد الرحيم الذي ظل مقرب جدا من الملازم علال حتى أصبح ظله وإستفاد من علاقته معه في التواصل مع خطيبته بهية لاحقا بسبب مكانة علال وعلاقته بقادة جبهة البوليازاريو، لكن علال ذات صباح ودون سابق انذار ترجل عن صهوة الحياة في صمت رهيب وحرقة الخيانة تعصف بقلبه حيث تم دفنه في رمال الصحراء بحضور صديقه عبد الرحيم تنفيذا لوصيته.


ومع توقيع اتفاق إطلاق النار بين الطرفين المتحاربين بداية تسعينيات القرن الماضي بدأ بوادر الإفراج عن الأسرى تلوح في الأفق ومعها تحسنت وضعية اعتقالهم، ليأتي الفرج ذات صباح حيث تم نقل الجميع إلى إحدى مدن الجنوب المغربي تاركين وراءهم ذكريات آليمة وجروح غائرة لكن الفرحة كانت أكبر من الحزن لتتحول الفرحة إلى خيبة أمل بعد أن أخبرهم قائد عسكري انهم ليسوا أبطالا بل هم جبناء بدعوى انهم استسلموا للعدو ولم يحاربوا بشجاعة من أجل الوطن، لكن هذا النكران من الوطن الذي حاربوا من أجله وقضوا أجمل سنوات عمرهم في المعتقلات الرهيبة وندوب الحرب والاعتقال والتعذيب سرعان ما خفت بعد لقاء أسرهم من جديد، فيما عبد الرحيم وجد خطيبته المخلصة بهية شامخة في انتظاره بعد أزيد من عشرين سنة من الفراق القسري في مشهد يجسد قيم الوفاء والإخلاص.


إن رواية طرسانة للروائي عبد العزيز العبدي أعادت كتابة تاريخ تلك الحرب الرهيبة التي لا يعلم عنها جيل اليوم سوى القليل في قالب روائي فني لا يخلو من قيم ومشاهد إنسانية نبيلة ومعطيات تاريخية لم يكشف عنها من قبل، لكنها رواية حتما ستجعلك تذرف الدموع وأنت تتفاعل مع مشاهدها وصولها ليستحق عبد العزيز العبدي لقب الجلاد الحقيقي.


إن طرسانة تبقى من أجمل الروايات على الإطلاق التي قرأتها في حياتي.

قد يعجبك ايضا
Loading...