مكانة الأضرحة والمواسم في المعتقد الديني الأمازيغي نموذج قبائل ايت سدرات إقليم تنغير

لقد كان من مظاهر ازدهار الحضارات القديمة ارتباط الإنسان القديم بمجموعة من المعتقدات والطقوس الدينية والتقليدية، منها التي كانت ولا زالت تدخل ضمن الأنشطة اليومية لهذا الانسان ولباقي الحضارت الامازيغية خير مثال فترات تاريخه القديم. فالانسان الأمازيغي تأمل في بيئته الطبيعية ومنظومته الثقافية محاولا الكشف عن اسرار عجز عقله الوصول الي ماهيتها ودلالات وجودها، لدى نجده جعل أحيانا من تلك المعتقدات والطقوس ملجأ لتصوراته وأحاسيسه كلما جادت وضاقت عليه تلك الطبيعة، وأحيانا أخرى أوقاتا للفرح والسرور والاحتفالات، إنها نهاية موسم فلاحي وبداية موسم جديد.


إن موضوع المعتقد الديني أو المقدس ليس بشيء غريب على المنظومة البيئية والثقافية الأمازيغية، حيث استمرار هذه الطقوس الى اليوم بالرغم من كل التحولات التي عرفتها منطقة شمال افريقيا على المستوى العقائدي و العباداتي (الديانة اليهودية، المسيحية، الإسلام…) يفسر قوة هذه الحضارة التي ترعرعت فوق هذه الأرض.

وهذا ما سنحاول الحديث عنه من خلال هذا المقال الذي يسعى إلى كشف مدى استمرارية هذه الطقوس عند قبائل ايت سدرات؟ ومدى ارتباط الإنسان السدراتي بزيارة الأضرحة والأماكن المقدسة (القبور، الكهوف، الأشجار…) وما الغاية من الاحتفال بالمواسم؟


المجتمع السدراتي باقليم تنغير من بين التركيبات البشرية الامازيغية التي لها ما يميزها داخل مجالها، ويدل على وجودها في الزمان والمكان، إنه مجتمع تتميز حياته تبعا لعلاقة كل فرد مع مجاله ومحيطه البيئي، إنه وسط قروي تغلب عليه الشفاهية يعتمد التواتر، مجتمع يؤمن بعالم الجن والأرواح (1) وبركة الأشخاص (اكرامن) إنها الفئة الاجتماعية ذات المكانة الأهمية والخطيرة في المجتمع المغربي (2) مجتمع تجمع ثقافته الدينية عددا من الانواع الدينية والحكايات الشعبية التي ترويها الجدات للأحفاد. والشعر المجهول والناظم والذي يتغنى به في الأعراس ونهاية المواسم الفلاحية والاحتفالات الدينية.

لهذا ظل الإنسان السدراتي يكن احتراما وخوفا وتقديرا متميزا للأضرحة وقبور مؤسسي الزوايا والأولياء الذين تعطى لهم مكانة خاصة في الذاكرة الجماعية.


زيارة الأضرحة :
ظاهرة زيارة الأضرحة ظاهرة متوارثة منذ زمن بعيد ويبدو أنها تنتمي الى حقبة زمنية موغلة في القدم وتشكل بالتالي القاعدة الجيولوجية الأولى في مجال الاعتقاد بالدور الذي يلعبه هؤلاء الاولياء كوسطاء بينه و بين الله لنيل العطف واللطف والاستجابة في قضاء الحاجات والاستشفاء. وتؤكد الرواية الشفوية ان كل واحد يختص في خاصية معينة منهم من يشفي المرض و منهم من تقصده الفتيات لطلب الزواج ومنهم من يعالج العقم، فإلى يومنا هذا ظل ضريح “سيدي الحادج” بمنطقة أيت همو من بين الأضرحة التي تعتاده النساء العقيمات من كل الأقطار، وكل من يعاني من المشاكل العائلية كالخلافات الزوجية، أما فيما يخص طقوس الزيارة، تكون بتقديم في مكان خاص بجانب القبر الموجود بالضريح على الجهة اليمنى ، الشموع والنقود وأثواب من الحرير يغطى بها القبر ومقدار مختلط من الحبوب من الذرة والقمح ثم قربان تكون ديكا من النوع الأصيل “ABLDI” ثم القيام بإحضار وجبة غذائية (الكسكس) بلحم القربان في نفس المكان وتقديمها للأطفال.


وهناك من يطوف حول القبر مع ترديد مجموعة من الأدعية، وعند انتهائه يأخذ نذرا أو وعدا إلى السنة المقبلة في حالة إذا شفي أو قضيت له حاجته (Iqda Uskin) لتقديم كبش أو عجل وتستغرق هذه الزيارة يوما واحدا.
ثم هناك ضريح “سيدي بوتمزيين” بقبيلة أيت أودنار، ثم ضريح “ما خلديجة” بقبيلة أيت عربي، ضريح سيدي داود بالزاوية المرابطية سيدي داود …هذه كلها أضرحة لازالت أبنيتها قائمة بالمنطقة ولا زالت أسماؤها متداولة بين العامة. ناهيك عن الأخرى التي تناستها الذاكرة السدراتية.


وبمرور الزمن استطاع الإنسان السدراتي أن يقوم بعملية تكييفية لمعتقداته الدينية السابقة. أي أن التقديس تجاوز الأولياء إلى معتقدات دينية سحرية، وتقديس الأشجار والكهوف وبعض الآبار والعيون، قديما كانت هناك امرأة بقبيلة بومردول، يقال أنها تتعامل مع الجن (datkat lfal)، تزورها الفتيات الراغبات في الزواج كل ليلة الخميس، ثم هناك كهف “تمربيشت” تحيل الرواية الشفوية أنه موجود بعد سنة 1890 م بموقع تاغيا نايت همو، وهو كهف يحمل أسطورة خرافية أو واقعية كانت ذات قدسية دينية لأنه تسكنه الأرواح الشريرة لإحتوائه على كنوز، لهذا ظل مدخله مزارة للناس غاية الاستشفاء من بعض الأمراض (الجنون، لرياح…)


المواسم
إن الإنسان الأمازيغي يرتبط بأرضه كثيرا لكسب قوته اليومي فهي التي يستغلها لزراعة الحبوب وتربية الماشية وتعتبر بالنسبة إليه هويته ووجوده فلا غرابة عندما نجد سكان القبائل يخلدون الى الراحة والاحتفالات بعد المشقة والتعب التي عان منها خلال أغلب فصول السنة ونظرا للطابع القدسي الذي يكتسيه الوالي أو “أكرام” وشدة تعلق ساكنة ايت سدرات بمعتقداتها الدينية تأتي الى أضرحة الأئمة وتقيم مواسم تكريما وتخليدا لروح الأولياء حيث يمتزج الديني (الروحي) بالدنيوي (المادي) الأول يتجلى في التبرك بفضل الوالي أما البركة فيجدها بالولاء بعد مضي سنة انتاجية، إنه التصور الأمازيغي التوفيقي للكون بين المادة والروح(3).


يعتبر “أيدود” موسم ن- دادا اوسعدن (*4) من أشهر المواسم بايت سدرات ويقام بايت توخسين بقصر تزيين كل سنة بعد اسبوع من عيد الأضحى حيث يقام سوق للتبادل التجاري بين القبائل وما يميز هذا الموسم هو الاحتفال المعتقداتي لكل قصر من قبائل ايت سدرات والقبائل الوافدة من مناطق بعيدة متمثلة في “ايت تغصى” بجبال صاغرو وايت ازغار بنواحي ازيلال وايمسوغرى حراطين تودغى ثم ايت عطى بامسمرير واسيكيس . تكون مواسم الاحتفال بتقديم كل قبيلة قربان (عجل) للأولياء السبعة الموجودة في مقبرة تزيين.


القبائل
الأولياء

ايت توخسين
زاوية بوسكور
ايت توخسين و ايت عطا
ايت توخسين وامصوغرى
ايت توخسين وايت تغصى
ايت اوزغار
سيدي لحسن اوجانا وسيدي مولاي
سيدي محمد أعلي
سيدي لحسن اتخسين
بابا سيدي
سيدي عبد الله
دادا اوسعدن

ويمتاز ايت ازغار بطريقة ذبح العجل بعد أن يعلقوا على عنقه مجموعة من الأزرار والعقيق والحناء، وأثواب ذات اللون الأخضر والأحمر والأصفرو الأزرق، حيث لا تتم عملية الذبح جيدا لكي يطوف حول ضريح دادا اوسعدن وتكون أقصى الدورات سبعة وهو يسيل الدم حيث تلتقطه الفتيات الراغبات في الزواج أو النساء العقيمات منهن من تشربه ومنهن من تلطخ به وجهها، بعد ذلك يجتمع الناس حول الأضرحة ويحضر الفقهاء وحراس الأضرحة ويدعوا الجميع للأولياء بالرحمة ولنيل بركتهم وأن يكون الموسم الفلاحي المقبل خصبا وجيدا ثم تجمع الهدايا والأعطيات (السكر، الحبوب، الشموع، النقود…) وفي مساء نفس اليوم تقوم القبائل بتوزيع اللحم على الأقارب والأصدقاء، لتبدأ الاحتفالات الليلية (احيدوس، الأشعار، الأكل…) ويستمر ذلك لمدة ثلاثة أيام عكس ما كان عليه سابقا سبعة أيام.


إلى جانب هذا الموسم هناك مواسم أخرى “كالموسنت” بزاوية سيدي داود له أيضا من الشهرة ومن الممارسة المعتقداتية مكانة داخل الوسط السدراتي يحتفل به بعد الاسبوع الأول من عيد المولد النبوي ، حيث يوجد ضريح سيدي داود، كما افادتنا الرواية الشفوية أن هناك مواسم أخرى لم يعد يحتفل بها منها: “ايدود نمولاي عبد القادر” “بايت عمر اوبراهيم” و”ايدود ن- ما خليدجة” بايت عربي ثم “ايدود ن- سيدي حمد” بايت حمو أسعيد.

خلاصة:
إن المتمعن في المعتقدات والطقوس السدراتية سوف يخلص الى أن الإنسان السدراتي ساهم الى حد كبير في الحفاظ على استمرار ثقافة أمازيغية دينية، يشكل الإنسان و الروح والأرض مادتها الاولى التي يتداخل فيها الصراع مع الطبيعة القاسية فقط من أجل البقاء واثبات الذات الانسانية. واستمرار وجود الانسان الامازيغي الذي استطاع ان ينسجم ويتناغم مع محيطه الحيوي الطبيعي، انطلاقا من احتكاكه اليومي بها، مما ساهم في نشأة سلوكات وقيم ايكولوجية وميثولوجية أمازيغية عقلانية، لازال يتشبث بها الانسان السدراتي في حياته.
في الحقيقة يبدو أن طقوس زيارة الاضرحة والكهوف والتبرك بالاولياء والاحتفال بهم تتطلب دراسة انتروبولوجية وسوسيولوجية من أجل كشف رموزها ودلالاتها وحقائقها واستنطاقها لأنها سارت في طي النسيان، لكي تفسح المجال لدراسة السكان الذين حافظوا على هذه التقاليد ذات الجذور الإفريقية الأمازيغية.

لائحة المراجع
الحسن بن محمد الوزان (الفاسي المعروف بجان ليون الافريقي) “وصف افريقيا ” ترجمة محمد حاجي ومحمد الاخضر، دار الغرب الاسلامي بيروت، ط 2 سنة 1983.
علي صدقي أزايكو،”معلمة المغرب الأقصى” الجزء 2 مادة أكرام.
أبزيكا محمد “الوجه والقناع في ثقافتنا الشعبية” أعمال الدورة الاولى للجامعة الصيفية بأكادير 1980 ص:219
Alouis Betrande, «”Tribus Berbers du Haut Atlas”page :74
*4. يعرف هذا الموسم بهذا الاسم عند القبائل التي تأتي خارج المنطقة أما عند قبائل ايت تخسين فيعرف باسم: ايدود نايت توخسين.

قد يعجبك ايضا
Loading...