Advert Test
Advert Test

يوميات شوكة صبار 09

خديجة عياش

أشاحت بوجهها بعيدا عنك، كي لا ترى عبرتها متلألئة على حافة هذبها، وقد خيّل إليها أنها تشبه قرن حبات الذرة المشوية، تقضم في شراهة… تدري كم خلية أنوثة أَقبرتَ، وأنت تصرخ في وجهها، كما تفعل دائما حين يرتفع ضغطك لأتفه الأسباب، خالت أن شَعرها ملكا لها، تسرّحه على كتفيها أو تقيّده بمشبك، أ تزيّنه بدبوس…قد تنسى المرأة كلّ شيء، إلاّ لومك لها على عدم استشارتك قبل قصّ شعرها، فتخبرها أن بياض الشيبات التي تطلّ من حافة منبت الشعر، أجمل من الصباغة الشقراء، التي لوّنت بها خصلاتها، ظنّت أنها ستثير جانب القلب الناعس فيك، وستمطرها بغزلٍ موارب لنياط قلبك، حين قضت لحظات ليست بالقليلة أمام المرآة،تتجمّل كعرائس أغسطس، تعدّل خصلاتها الشقراء دون أن تقفز إحداها، خارج المظهر الأنيق، الذي أحبّت أن ترفس به وجه الروتين، الذي طبع حياتك، حين ابتاعت أحمر شفاه بلون الكرز، ممّا جعل لون شعرها، ووجها يبدوان أكثر إشراقا…

ماذا ستقول في عقل رجل، لايفقه كيف يربّث على القوارير… كيف يغمس نفسه في دزينة ورد ندية، تفتحت شفاهها لتجود بالشذى، لا يفقه كيف ينتشي بعطرها المسكوب في زوايا الغرفة البنفسجية حيطانها،ولا يعرف كيف يغرف من عميق مودّتها ما يملأ جراره المثقوبة، التي طالما رُمّمت بكثير من الحبّ تلك الشقوق بقبلة من قلبها الوردي، ماذا ستقول في قلاله المرتّقة، وهي تلفض خارج طينها، قلبها المدعوس جيّدا، إثر نظرة بائسة، باهتة من عينه، التي ما عادت ترى كيف تملأ حدقيها بوشاية حبّها المحبوك باتقان على جهتها اليسرى، التي انقبضت كثيرا، وتسارعت دقاتها، ما يجعل نفَسها يتقطع أكثر ما مرّة، فتلتقطه بصعوبة ،فيما يشبه الزفرة الطويلة…الإهمال يُجفّف العطر قبل أن يُذبل الزهر.

لتلملم شظاياها المكسورة، مشت خطوتين بكبرياء، وفي عينيها دمعة ساخطة عليه، دون الالتفات لما سقط من زينتها، وأنوثتها، وهي تلتهم أحمر الشفاه من على شفتها العليا، فيما يشبه الغيض الصامت، دون أن تترك على وجهها ما يسهّل قراءته العابسة، فتحت درج صِوانها العلوي، وأفلتت عقال ملابسها المطوية، لتستقرّ على وتحت قدميها، فاختلطت الألوان والأشكال، وبدت كومة الملابس كرفات بال،ٍ لا يساوي درهما واحدا…استسلام للفوضى نوع آخر من التفريغ النفسي، عوض الصراخ، الذي قد يكلّفها جرعة أخرى من الكورتزون…لمّا يتملّكها السعال الحاد، هي تسعل عند كل انفعال شعوري، لكن سعلة الغضب أشدّ وطئا على قصبة رئتيها العليلة.

بدت الغرفة البنفسجية حيطانها، ذات المجسّم الخشبي، ذي اللون الأحمر والأبيض، والذي صنع على شكل قلب، والمتبث في أعلى الحائط المقابل للشرفة، المصنوع من خشب شجر العرعار-هو خشب عالي الجودة، يؤتى به من مناطق جبال الأطلس لترتب به قارورات العطر، وزيوت الدهن، ومرطبات البشرة، ويعض مخروطات أحمر الشفاه…-كزقاق بالسوق اليومي، الذي يعرض فيه الباعة منتوجاتهم المستعملة على فرش أرضي، قد يكون من قطعة بلاستيكية أو قماشية…خيّل إليها أن ذات القلب ينزف حتى تحول طلاء الغرفة إلى أحمر قاني،رأت فتات قلبها ينبض في كلّ الزوايا، ينوء بما حمل، شأنها شأن نساء كثر، تجرّعن خيباتهن بنظام كاتم الصوت،( عيب عليك أيتها المرأة). مثل هذه الجملة التي صيّرت النساء ماكينات وجب عليهن الإنتاج فقط إلى أن يتعطّل المحرّك كلّيا ، وحينها يمكن استبدالها بالأحدث.

حملقت كثيرا في فوضاها، وتناولت رأسها بين كفّيها في إطراق مسالم ، لتأمّلٍ أكبر فيما يمكن أن تصنعه، لتداري جرح القوارير، التي خُدشت بداخلها، لتُسكت الصوت الأجشّ، الذي يردد قسرا داخلها، ركلتْ كومة الثياب بمقدمة رجلها اليمنى، فعلقت بظفر أصبعها الكبير، كُمّ جلبابها المطرّزة، المشتغل عليها يدويا، تذكرت لما لبستها للمرّة الأولى، وقد كان هو نشوان فرحا بها، وبحلّتها الجديدة، حين كان يغدق عليها حلو الكلام، وبارع الوصف…ويثني على قوامها الرياضي المشدود…أفلتت ظفر أصبعها بعد رمية موفقة إلى الحائط المقابل، لتسقط الجلباب المطرّزة، كأيّ مهمل، عافته نفسها.

أخذت نفسا طويلا، وهي تحدق من خلف النافذة في حمامتين احتميتا بسقيفة منزل الجيران قبالتها، كي لا يبلّلهما المطر الغزير، لفت ذراعيها حول نفسها، لمّا أحست بالبرودة، وأحنت رأسها على زجاج النافذة، فيما يشبه الغفوة، لتنتفض مسرعة حين تناهى إلى مسمعها صفير طنجرة الضغط.

امرأة من صبّار

2018-10-05 2018-10-05

اترك ردا

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

العالم24
%d مدونون معجبون بهذه: