Advert Test
Advert Test

المرأة قيمة تسويقية

جواد أزناك

إن مجتمعات اليوم هي مجتمعات تسير تحت سلطة العولمة، فمع ظهور هذه الأخيرة تحول الجسد الإنساني إلى مجرد سلعة استهلاكية وقوة إنتاجية. ومع الصراع والتنافس القائم بين كبرى الشركات العالمية في شتى المجالات التجارية والاستثمارية أصبح الجسد تلك الأرضية الصلبة التي يبنى عليها اقتصاد اليوم، هذا الاقتصاد غايته أن يخرج الإنسان من ذاتيته وكينونته ويجعل منه قوة إنتاجية الغرض منها الزيادة في الأرباح وتطوير الاقتصاد.

وفي خضم هذا الاهتمام المتزايد بالجسد سواء كان ذكرا أو أنثى، تولد اهتمام أكبر و خاص بالجسد الأنثوي(جسد المرأة)، هذا الاهتمام طبعا لم يأتي من عدم،بل هو نتيجة لتخطيط اقتصادي- معرفي، تخطيط يجعل من المرأة مطلبا اقتصاديا لا غنى عنه في السوق المعاصرة.هذا التخطيط خلق ثورة في بنية المجتمعات، حيث أصبح رجال الاقتصاد يتجهون نحو إعطاء الأولوية للمرأة على حساب الرجل. هذا المنعطف الخطير في السوق خلق نوعا من الزعزعة داخل المجتمعات، وتسبب في توليد العديد من المشاكل والظواهر السلبية، والتي سنتوقف عندها فيما سيأتي من الكلام.

يعتبر المجتمع المغربي نموذجا حيا يجسد الانقلاب الحاصل في السوق، حيث تتجلى وبصورة واضحة تلك المكانة الهامة التي حظيت بها المرأة في المجال الاقتصادي، إذ تبصم المرأة حضورها القوي في سوق الشغل. هذا المعطى لم يأتي من فراغ، بل هو تتويج لشروط مسبقة وضعها اقتصاد اليوم، شروط تجعل من المرأة عاملا مهما للارتقاء بنسب النجاحات التجارية. فلعدة أسباب ترى الشركات الاقتصادية في المرأة قيمة تسويقية و قوة إنتاجية توسع من دائرة الربح لا الخسارة، ومن بين تلك الأسباب تذكر ما يلي:

1-العمل بأجور ضعيفة: إن المنطق الذي يسير به الاقتصاد هو منطق الربح، وبالتالي جعل الإنسان آلة وقوة إنتاج، فسوق الشغل تتزايد نسب أرباحه وأرقامه كلما تضاعفت نسب ولوج المرأة للعمل، حيت يستغل كبار الشركات الضعف والأنوثة التي تتميز بهما المرأة. يكفي أن تتأمل في المصانع المغربية وترى ذلك الكم الهائل من العاملات، مقابل تسجيل نسب جد ضعيفة في صفوف الشباب، وهذا يعكس الوضع الحالي للسوق. فتشغيل العاملات أكثر من العمال هو مكسب للمصانع، لأن العاملات يشتغلن مقابل أجور زهيدة، الشيء الذي يسهل من مأمورية ولوج المرأة لسوق الشغل، وهذا المعطى هو بمثابة ضربة قاضية للشباب لأن المعروف على الشباب العمل بأجور أكثر بكثير من أجور المرأة. كل هذه الاعتبارات كما قلت تزيد من نسب أرباح المصانع والشركات وتفتح الباب أمام النساء للعمل، وبالتالي ضرب عصفورين بحجر واحد( كثرة العاملات+ أجور زهيدة).

2- جسد المرأة كمروج اقتصادي: إن المجتمع ينظر إلى المرأة كجسد، وهذا المنطلق ينطلق منه المستثمرون للترويج لسلعهم ومنتجاتهم، باعتبار جسد المرأة عامل يؤثر بشكل كبير في المستهلك. وخير دليل على ذلك مثلا، توجه أصحاب الفنادق والمقاهي وغيرها نحو تشغيل المرأة في مناصب هامة وحساسة ، كل هذا من أجل جذب المستهلك وكسب العديد من الزبناء، وبالتالي سيرورة العملية الاقتصادية المربحة. لقد أصبح جسد المرأة هنا وسيلة للترويج الاقتصادي. فالظاهرة الحية والسائدة إذن، في المجتمع المغربي كنموذج هي ظاهرة المتاجرة بجسد المرأة واستغلاله لأهداف تسويقية تجارية. وهذا ما يفقد المرأة قيمتها الإنسانية وتتحول إلى قيمة تسويقية. كل هذه الأسباب وغيرها تجعل من المرأة سيدا واله للسوق.

إذا كانت المرأة اليوم مطلوبة اقتصاديا أكثر من الرجل، وإذا كان رجال الاقتصاد يسيرون بسياسة المرأة قبل الرجل، فإن هذا الشرط يغير من بنية المجتمع ويخلق مجموعة من الظواهر والمشاكل الاجتماعية الخطيرة. في هذا السياق سنتوقف عند بعض من هذه المشاكل التي تحدث في المجتمع المغربي بسبب السياسة العبثية التي ينهجها اقتصاد اليوم.

1-تراكم نسبة البطالة في صفوف الشباب: صحيح أن هناك عدة أسباب ساهمت ومازالت تساهم في ارتفاع نسبة البطالة، من بينها انعدام فرص الشغل وغيرها، لكن يمكن اعتبار المرأة سببا من بين الأسباب كيف ذلك؟. لقد رأينا سابقا تلك الأهمية والمكانة التي تحظى بها المرأة في المجال الاقتصادي، باعتبارها قيمة تسويقية وعامل مؤثر في عمليات الربح. إن مسألة مساهمة المرأة في تراكم نسبة بطالة الشباب قد تكون طبيعية وممكنة، خصوصا في ظل اتجاه الشركات الاقتصادية والمصانع نحو تشغيل عدد كبير من النساء.يكفي أن تقوم بجولة في تلك المصانع وتشاهد بأم عينك الأمر الواقع، فالنساء أصبحت تقتحم مناصب كان يفترض أن يكون فيها الرجال والشباب( عمل لا يليق إلا بالشباب). إذن، أدى عمل المرأة إلى انخفاض فرص عمل الشباب، وكلما ازدادت نسبة العاملات تراكمت نسبة البطالة في صفوف الشباب مما يولد معه مشاكل أكثر خطورة قد تهدد سيرورة المجتمع.

2-العزوف عن الزواج وارتفاع نسبة العنوسة: إن ارتفاع نسبة العاملات لا يؤدي فقط إلى البطالة، بل يؤدي إلى مشاكل ابعد من ذلك، مشاكل تزيد المجتمع تعقيدا. فعندما تتأمل في المجتمع المغربي نسجل عزوفا خطيرا في الآونة الأخيرة من طرف الشباب على الزواج، وهذا راجع بطبيعة الحالة إلى مشكل البطالة. فشروط الزواج اليوم يرى فيها الشباب شروطا تعجيزية ومكلفة يصعب تحقيقها في ظل كابوس البطالة. وهنا ندفع ضريبة سياسة الاقتصاد التي توجد جسد المرأة، لأن تفضيل المرأة على حساب الرجل يجعنا أمام معادلة خطيرة تهدد بنية المجتمع.

تفضيل جسد المرأة هو إبقاء للشباب في دائرة البطالة، هذه الأخيرة تسبب في العزوف عن الزواج الذي يفتح الباب بدوره أمام العنوسة. فإذا كانت نسبة العاملات في تزايد، فهذا يعني أن المقاهي ستكون وجهة الشباب العاطل، مقاهي لتربية المزيد من اليأس والإحباط. وبالتالي المجتمع الذي يعاني من البطالة والعنوسة هو مجتمع يتجه نحو الانقراض.

لقد تناولت الموضوع من وجهة نظري الخاصة، و أعلم أن هذه الكلمات المتواضعة لن تغير من الواقع شيئا، لأننا في زمن تسليع الإنسان وتفضيل المرأة على حساب الرجل، فعمل المرأة ليس عيبا، لأنها أيضا فاعل اجتماعي و قيمة وجودية بامتياز، المرأة جزء مهم في بنية المجتمع ولا أحد ينكر أهميتها، فالحديث عنها هو حديث عن (ربة أجيال، رئيسة دولة، طبيبة، أستاذة، فاعلة اجتماعية…)، لكن العيب في سلطة الاقتصاد، فحينما يتعلق الأمر بالاقتصاد فنحن أمام خطاب أخر، الاقتصاد لا يرى في المرأة إلا ذلك الجسد الممتع والمثير الذي يكسب من خلاله الأرباح.

إن الاقتصاد لا يعترف لا بالإنصاف ولا بالمساواة، بل يعترف بالربح والإنتاج فقط وفقط. هذا اللامنطق ينعكس بشكل سلبي على المجتمع. في كلمة واحدة يمكن القول إن المرأة قيمة تسويقية يقدسها الاقتصاد ويجعل منها اله يهيمن على السوق ويشكل خطرا عليه في نفس الوقت.

2018-10-13 2018-10-13

اترك ردا

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

العالم24
%d مدونون معجبون بهذه: