Advert Test
Advert Test

المدرسة المغربية لا تنتج التطرف يا سيدي.

بوفدام عبد الرحمان

عندما تكون كاذبا بارعا فإنك ستوهم الناس وتوهم الحقيقة وقد تستطيع حتى أن توهم نفسك، والنتائج التي قد تحصلها من هذا الكذب قد تخدمك لسنين طويلة.. لذلك فمن الممكن جدا أن تخدع شعبا لعقد أو عقدين من الزمن وأنت تسوق له السخافات على أساس أنها أمهات الحقائق والحكم، قد يحدث هذا خاصة إذا كانت نسبة الوعي لدى هذا الشعب متدنية جدا، ولست أقصد بالوعي ما قد يذهب إليه الكثير من المتخصصين وأشباه المثقفين، حين يعتقدون- إيهاما للآخرين أو ربما بدون دراية منهم- أن الوعي يعني إدراك الحقوق والواجبات وبالتالي العمل وفق هذا المبدأ لأداء الواجب ولتحقيق الحق.

بل إنني أعتقد جازما بأن الوعي يتعلق بمدى استيعاب هؤلاء الأشخاص للحقائق التاريخية التي أفرزت هذه التنظيمات السياسية والبرامج الحكومية التي هو خاضع لها. لذلك فمن السهل حين يكون الشعب جاهلا بالتاريخ وجاهلا كذلك بالمركبات والعقد التي تراكمت عبر هذا التاريخ، أقول من السهل أن يخرج علينا واحد من هنا أو من هناك بكلام يثير الاشمئزاز، وهو نفسه قد ينتابه هذا الشعور اتجاه موقفه السخيف، فيقول بأن المدرسة هي التي تساهم في انتاج الحركات المتطرفة. لا يفتأ رجال السياسة في المغرب يتهمون “منظومة التعليم” بالفشل. ونحن متفقون معهم بخصوص هذا الفشل الذي نحرص على ان نزيد عليه مصطلح “الذريع”. لكننا بطبيعة الحال، لا نتفق بحال من الأحوال مع المبررات التي يسوغونها لتبرير هذا الفشل.

معظم هؤلاء السطحيين يرون إما أن البرامج التعليمية المعتمدة لا تصنع المواطن الصالح القادر على مواجهة مطبات الحياة، القادر أيضا على التخطيط وتنفيذ هذا التخطيط على أرض الواقع، والقادر أيضا على خدمة بلده في السراء والضراء، زد على ذلك الحفاظ على قيم المجتمع الإنساني وثوابت الأمة.. ونحن نؤيدهم إذ يلقون باللائمة على البرامج ما دامت دول أخرى معروفة هي التي تصدر إلينا برامجها الفاشلة وكأنها بذلك تصدر إلينا الفشل. هؤلاء السطحيين يرون كذلك أن الفشل الذي تتخبط فيه منظومة التعليم ببلادنا راجع – بالأساس قد يضيف بعضهم- إلى سوء أو خلل في تكوين الأساتذة والمربيين، وهنا أيضا نعلن تأييدنا المطلق لهذا الرأي، فالتكوينات التي يتلقاها المقبلون على “مهنة الأعصاب” لا ترتقي إلى المستوى المطلوب، أي المستوى الذي قد يجعل المربيين ينجحون في التغلب على هذه الأعصاب المزمنة التي يواجهونها كل يوم.

يعود هؤلاء السطحيين، ليخبرونا كذلك أن فشل المنظومة يعزى إلى فشل البرامج الإصلاحية التي تبنتها الدولة المغربية منذ حصول المغرب على “الاستقلال”.

ولن نسحب دعمنا الكامل لهذه النقطة لأنها بالتأكيد لا تقل أهمية عن الأسباب السالفة الذكر. إذ أن زمنا طويلا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا بل وحتى وجوديا قد ضاع من المغرب وهو يطارد هذه “البرامج الفاشلة”. ضاعت الميزانيات وضاعت الأحلام وتاهت الرؤى واختلطت الخيوط وتشتت الملفات… الخ.. وعاد ولاة الأمور- الذين بالتأكيد يعرفون مكمن الخلل- ليخبرونا ان الإصلاحات كلها قد فشلت وما على المغرب سوى أن يقوم بإصلاح الإصلاح. وفي كل مرة نزيد إلى الجملة كلمة إصلاح جديدة. فالرؤية الاستراتيجية اعترفت بفشل الميثاق الوطني للتربية والتكوين والمخطط الاستعجالي وهما -إذا كانت ذاكرتنا التاريخية لا زالت تعمل- إصلاحان تغيت الوزارة الوصية من خلالهما إعادة المنظومة التربوية إلى سكتها الصحيحة بعدما انحرفت في محطات تاريخية سابقة. إذن إذا أردنا أن نمنح للرؤية الاستراتيجية مرادفا أو تعريفا فيكفينا أن نقول أنها: إصلاح إصلاح الإصلاح.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل فعلا هذه هي الأسباب الكامنة وراء تردي منظومة القيم وفشل منظومة التربية وفشل التعليم في مسايرة الواقع؟ أم أن هناك مثلثات بيرمودا لا يستطيع أصحاب القرار الطيران فوقها؟

هنا أقف لأقول، إن الأسباب السالفة الذكر قد ساهمت بالفعل في إفشال المنظومة ليس فقط التعليمية بل الإنسانية في بلادنا. لكنها بالضرورة تبقى قليلة بالمقارنة مع العوالم الخفية والقوى المستترة التي تسهر على دواليب التسيير والتدبير في بلادنا. لا يمكن بحال من الأحوال أن نخوض في فشل التعليم بمعزل عن المجالات الأخرى- اللبنات الأخرى في بناء المجتمع- فالتعليم إذن هو الشاشة التي يظهر لنا من خلالها مدى تطور المجتمع من تخلفه. أو قل هو نتيجة عما تعرفه القاعدة التسييرية في أي بلاد، فإذا استقامت القاعدة التسييرية وخلت من الإيديولوجيات القاتلة والسياسات التفريقية والمعالجات الكاذبة فلا بد أن يستقيم حال التعليم.

إن الخلل في مجتمعاتنا أن السياسة هي المفصل في كل شيء. فنصدم بدين سياسي، بتعليم سياسي، برياضة سياسية، بجامعة سياسية… إلخ. وإن أي إصلاح إزاء هذا الوضع، لن يهتدي إلى نجاح ولن يرتقي إلى جودة أو تطور. فالسياسة هي السرطان الذي ينتشر في جسد أي مجال فلا يلبث أن يسقطه جثة هامدة.

جدير بنا أن نشير إلى عامل آخر هو بمثابة حجر الزاوية في تطور المجتمع أو تخلفه، عامل هو في بلادنا لعبة في يد السياسي يلهو بها كيفما يشاء له هواه، عامل لو كان يتمتع بالقدر الكافي من الاستقلالية لكنا أحسن حالا مما نحن عليه اليوم، لكنه للأسف كما قلنا لعبة بيد الطفل السياسي السخيف: هذا العامل هو الإعلام. إعلامنا لسوء حظه -أو لسوء حظنا- يساهم ليس فقط في تدمير التكوين القيمي والمعرفي للمواطن، بل يسعى وراء ذلك إلى إيهام هذا المواطن بأن “كل شيء على ما يرام”، وانه إذا ما حصل عطب في جسد الحضارة المهترئ “فإليه” ( أي المواطن) إنما تعود اللائمة ويعزى السبب. لذلك ترانا حتى نحن المواطنين نحوم حول الأسباب الحقيقية خلف التردي والانبطاح اللذين هوى إليهما المجتمع ونأبى دائما الخوض فيها، فنأتي نخوض في التفاهات، حتى أصبحنا نراكم التفاهات فوق التفاهات، وبعد ذلك نشتكي جميعا ونسأل أين السبب؟ من السبب؟ متى السبب؟ …

واعتبارا لكل ما سبق، فإنه من المسلمات أن يأتي شخص ويقول بكامل فصول السخافة أن المدرسة المغربية تساهم في إنتاج التطرف.

المتاهات التي يعيشها التلميذ والطالب، والمفارقات الصارخة، والتناقض الفاحش بين ما هو كائن وما ينبغي ان يكون هو الذي يصنع التطرف يا سيدي المفارقة الحاصلة بين ما تطمح إليه المدرسة المغربية “بين آلاف الأقواس” والمحركات التي تحرك المدرسة المغربية وتدفع بها نحو تحقيق الغايات السامية هي التي تنتج التطرف يا سيدي.

الكذب السياسي المستمر، النفاق السياسي المستمر، فوبيا الحرية، فوبيا الاستقلالية، فوبيا المساواة، فوبيا العدالة الاجتماعية، فوبيا المصارحة التاريخية، فوبيا المسؤولية والمحاسبة، فوبيا الدين الواجهة، فوبيا الحقيقة والشفافية، فوبيا الإنسانية… يا سيدي هي التي تصنع التطرف.

تستطيع بهذا الكذب أن تخفي الحقيقة عن العباد غير أن الحقيقة تأبى إلا أن تظهر.

2018-11-10

اترك ردا

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

العالم24
%d مدونون معجبون بهذه: