Advert Test
Advert Test

صنــــــــــــاعة التــــــــــــــــاريخ

عبدالرحمن بوفدام


هناك شعوب لا يمكنها أن تصنع التاريخ ليس لأنها لا تملك الإمكانيات لفعل ذلك بل لأن تاريخها سيشكل خطرا وتهديدا على شعوب أخرى تعتبر نفسها أولى بامتلاك التاريخ والذاكرة. لذلك كلما زادت الرغبة في إبراز الذات ونشر الذاكرة الثقافية عبر العالم كلما سعت الشعوب المضادة لطمس الحقيقة واستبدالها بوقائع لا تمت إلى الحقيقة بصلة.


ما يزيد الوضع تعقيدا هو أن الشعوب المستضعفة لا تملك حق الدفاع عن نفسها لأنها لا تملك القوى الكافية لفعل ذلك. إنها شعوب يستيقظ أبناؤها على إيقاع الأحلام والأماني كل يوم. إنهم يحلمون أن يأتي يوم ينصفهم فيه القدر ويعيدهم إلى سكة المساواة مع باقي شعوب العالم التي تحظى بقسط وافر من الراحة والحقيقة. و الحديث هنا عن الأبناء الذين مازالت بعض قطرات الهوية تسري في عروقهم أما الذين سلبت منهم الهوية و بطاقة التعريف الحقيقية فلا يسعنا سوى أن نتركهم للتاريخ كي يحدد وجهة نظره فيهم بعد أن تاهوا بين مشية الغراب و مشية الحمام. لقد اختار هؤلاء المقلدون أن يبحثوا عن هويات جديدة ربما هروبا من وضعيتهم الاجتماعية التي لا ترقى إلى مستوى تطلعاتهم أو ربما لأن هويتهم الأم تبدو قديمة الطراز و تقيدهم و تحرمهم من التقدم كما يعتقدون. هذه الهوية ليس فيها عري وليس فيها اختلاط وهي محافظة أكثر من اللازم وفي نظرهم لا تساير العصر، لذلك لا تستحق البقاء. ربما هم على صواب إذا سلمنا جدلا بأن التطور هو قشور الحضارة و مظاهرها. فالأجدر أن نتعرى جميعا و نتحلى بقيم الدياثة كي نبدو متطورين و راقيين. علينا أن نترك المجال لأولادنا كي يفعلوا ما شاءوا و نطلق العنان لحرياتهم بعيدا عن الدين و الأخلاق الإنسانية السامية فهكذا سنساير العصر.. إن المشاكل العويصة و التشوهات الأخلاقية التي تصيبنا اليوم عائدة بالأساس إلى هروبنا من هوياتنا الحقيقية.


لقد استطاعت الشعوب القوية أن تنسينا من نحن حتى أصبحنا كائنات بلا هوية. انتهى استعمارهم العسكري لنا فحل مكانه استعمار أكثر خطورة هو استعمار الفكر والثقافة، كاريكاتوريا أصبحنا آلات تعمل وفق رغباتهم ويتحكمون فينا عن بعد. فما حال الشعوب التي تعرضت لأكثر من احتلال في آن واحد؟ إن كان غرض الاستعمار هو استنزاف الثروات وتوقيف الشعوب الضعيفة عن التقدم والإبقاء على مبدأ التبعية في كل شيء فماذا تريد من الهوية؟ لماذا لا تأخذ ما تريد وتترك الهوية جانبا؟.


لقد نشأنا في واقع مؤلم ومرير فوق قطعة من تراب الوطن. ذهبنا إلى مدارس كانت تعلمنا قيما تنافي القيم التي وجدناها عند الآباء و الأجداد بل حاولت جهد الإمكان أن تحتقر هويتنا بكل الوسائل الممكنة و غير الممكنة. آنذاك كنا أطفالا وصدقنا كل القراءات والتراتيل التي قيلت لنا بدون انتقاد.. لم نكن نملك حق التحدث بلغتنا الأم مع المعلمين بل كانوا ينهوننا عن التكلم بها في المنزل كأنها جريمة نكراء سنها التاريخ.


حتى في الأقوال والأمثال الشعبية والنكت والأفلام والمسارح توجد عنصرية لا مثيل لها تسخر دائما من هويتنا وتصورنا دائما في مواقف ساخرة تجعل العالم ينظر إلينا نظرة انتقاص وازدراء. باتت هذه السياسة الشيطانية قاعدة عامة في كل تجلياتنا الحياتية حتى أصبحنا نحن ننظر إلى أنفسنا بانتقاص. لماذا إذن كل هذا الحقد والكراهية؟ والسؤال الصحيح هو لماذا هذا الخوف من هويتنا؟ ولماذا يطمحون دائما إلى تغيير التاريخ رغم أنهم يعلمون علم اليقين أن الحقيقة هي المنتصرة دوما في نزالها وعراكها ضد الأوهام والأكاذيب؟ لماذا لا يريدوننا أن نكون شعبا تملأ ثقافته الحقيقية كتب التاريخ؟ لماذا يطمحون دائما إلى تشويه صورتنا؟ الأمر المؤكد أن هنالك أهداف مستترة لا يعلمها إلا هم.


معلوم ان سعيهم إلى طمس هوياتنا مقرون بغايات تناقش فقط في الكواليس، وهو امر خطير لا جدال فيه. أما ان نسعى نحن إلى طمس هوياتنا، فتلك مصيبة لا أجد إلى شرحها سبيلا، ولا شك ستأتي على الأخضر واليابس.. ولو بعد حين.

2019-03-19

اترك ردا

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

العالم24
%d مدونون معجبون بهذه: