القابلية للاستحمار

كثيرا ما يردد الناس تعابير من قبيل: “إنهم يستحمروننا” ” استغباء الشعب” “تكليخ الشعب” … إلى غيرها من الجمل التي تعبر عن ردة فعل اتجاه الأحداث الوطنية والنوازل التي تصاحبها، خاصة القرارات التي تصدر من هنا وهناك، سياسيا أو دينيا أو ثقافيا. يرجع معظم الناس هذه القرارات التعسفية، التي لا تراعي مكانة الشعب أو كرامته، إلى كون من يصدرها بعيد كل البعد عن الواقع المعيش للمواطنين. نخبة قليلة جدا، تعيش في أحضان عالم سريالي، لهم ما يشاؤون فيه، ولديهم المزيد.. نخبة تربّت في كنف الأسر الناعمة وترعرعت في رفاه الحياة ورغد العيش، ولا تعرف في الوطن إلا اسمه. فئة كتب لها أن تكون حاكمة كما كتب على الآخرين أن يكونوا محكومين نتيجة ضربة حظ قاتلة. إن إرجاع الاستحمار والاستغباء الى السبب المذكور أعلاه لا ينافي الواقع في شيء، لكن اعتباره السبب الوحيد أمر غير مقبول موضوعيا.

إن هذا الاستحمار لولا أنه وجد ظروفا مشجعة و تربة خصبة وبيئة ملائمة ومناخا مساعدا، لما فرض نفسه مثلما هو الوضع الآن.

إذ إن استحمار الشعوب لا يتطلب شروطا اجتماعية خارجية فحسب، وإنما يصل ذروته متى ما توافر له شرط التواطؤ الذاتي معه(أي الاستحمار) وذلك من خلال قبوله والاستسلام له على اعتبار أنه قدر مقدر أولا، ثم عبر اعادة انتاجه ذاتيا وذلك يتأتى حينما يخضع الإنسان ذاته لاستحمار داخلي لا يقل خطورة عن الخارجي. ويتحقق إخضاعها عبر القول باستحقاق الذات لمثل هذا الاستحمار ووضعها في خانة “الذين لا يستحقون سوى ما هم عليه”.
يقول المتواطئ مع الاستحمار إن ذاتا كالتي يملكها لا ترتقي لتستحق حياة حرية لأنها في نظره ذات تافهة وناقصة، بل وتتحمل المسؤولية الكاملة إزاء هذا الخراب النفسي، العقلي و الاجتماعي الذي يحياه يوميا.

ويقول بأن هذه الذات هي السبب والعلة الأولى الموجدة لهذا الخراب، تحت ذريعة: “لولا أنهم وجدوكم نعاجا لما كانوا عليكم ذئابا” وأنها لا تستطيع مواجهة الرؤوس المستبدة وقاصرة على الوقوف أمامها. وهذه مرحلة يؤمن خلالها الفرد بأنه ولد فطريا على الضعف والخضوع (تحت غلاف المكتوب ما منو هروب) إنها إذا ليست حربا ضد الاستحمار، فالحرب تقتضي أن يتقاتل الطرفان، بقدرما هي هزيمة فطرية دون خوض الحرب. انهزام سابق لأوانه يعجل بأسر الذات في سجون الاستحمار وقيود الاستغباء في قتل واضح وصريح لمكانة الانسان واستباحة لكيانه. بمعنى أن الانسان يسوق نفسه بنفسه الى هذه القيود بعد أن يعلن انهزامه المذل و المخزي أمام أنظمة الاستحمار قبل حتى أن تحدث المعركة. و يأتي ذلك من خلال سلوكات (اتجاه النفس أو اتجاه المجتمع) تؤشر بزوال الكرامة والحرية والعزة من الوجود الانساني و إحلال كل صفات التملق والتزلف والخنوع بدلها.

وهنا نتحدث بالضبط عن مفهوم القابلية للاستحمار تحويرا لمفهوم القابلية للاستعمار الذي طوره المفكر الجزائري مالك بن نبي، وتتجلى القابلية هنا في توفير الأرضية المناسبة والشروط (النفسية/الذاتية على جه الخصوص) الكفيلة بانبات بذور الاستحمار.

ان خطورته لا تكمن إذا في الإقبال على استنزاف تاريخ الشعوب من قبل فئة لا خلاق لهم ولا أخلاق، عبر تدجينهم وتشويه الحقيقة وتزييف الواقع أمامهم و تحريف الرأي العام الى غير وجهته الحقيقية أو الصحيحة، ومن ثم قيادتهم أو سوقهم الى المجهول كقطيع من الأغنام.. بل تتجلى خطورة الاستحمار في التماهي معه كمصير لا يقبل التغيير، أي برمجة الذات وفق نظم الاستحمار ومعاييره.

ليس من الغريب في شيء إذن، أن نرى بعض المُستحمَرين ينصبون أنفسهم أبواقا لأنظمة الاستحمار، وبعضهم الآخر أجهزة الرادار، وبعضهم أدوات الماكياج، وبعضهم مرايا الاستحمار التي تزوق الصور.. يتسابقون فيما بينهم، أيهم أشدّ اتباعا وأخلص طاعة للرأس الأكبر. وقد يصل التنافس ذروته فيقتل بعضهم بعضا لإتباث مدى “حماريته” التي هي معيار الترقي في سلم الرتب والدرجات. إن من لا يستطيع أن يقتل كي يتبث حماريته الأصيلة، لا يستحق أن ينتمي إلى حاشية الرأس الأكبر.. المسألة مسألة مبادئ إن صح التعبير.

إن الاستحمار يأتي في مرتبة أقل من الهدر (الذي خصص له د. مصطفى حجازي دراسة تحليلية نفسية واجتماعية) لكنه لا يقل خطورة عنه إذ هو الطريق المعبدة لأنظمة الاستبداد للوصول الى محطة الهدر التي يقتلون فيها كل شيء، ويغتالون فيها كل ما هو إنساني في الإنسان.

إن علاج الجسد المريض، لن يتأتى إلا بوجود إرادة صلبة في الشفاء، نابعة من أعماق الذات، وصبر على تجرع الألم، وصرامة في أخذ الوصفات الدوائية، و التشبت باليقين حتى وإن تطلب الأمر نزع الأعضاء المتعفنة. أما من خاف وتقاعس، فسيبقى متفرجا على العفن يجول جوارحه أنى شاء له أن يجول.

قد يعجبك ايضا
Loading...