Advert Test
Advert Test

أگديم” بالنقوب: معلمة تاريخية مهمة تتحدى الزمن و عبث الإنسان

يدير شكري-النقوب

تتميز بلدة النقوب، أو ” بلاد ال45 قصبة” كما اشتهرت به،و الواقعة على السفوح الجنوبية لجبال صاغرو الشامخة (اقليم زاكورة) ،بعدة مؤهلات ثقافية،سياحية وعمرانية، تستمد أصالتها من تاريخ قبائل أيت عطا المجيدة،والجنوب الشرقي بشكل عام.فإلى جانب كون بلدة النقوب “مملكة القصبات” بامتياز،فهي تتوفر على معالم تاريخية مهمة شاهدة على تاريخ المنطقة، لكن للأسف مازالت لا تلقى الإهتمام والعناية اللازمتين محليا وحتى من طرف المهتمين بالتراث والتاريخ،مما حذى بنا لتسليط الضوء على هذه المعلمة التاريخية،لعلنا نستكشف بعض المعلومات عنها،معتمدين على بعض الروايات الشفهية ،رغم شحها، من بعض كبار السن ومن خلال بحثنا الميداني أيضا.والهدف هو تعريف الأجيال بهذه المعلمة ،أدوارها وأهميتها التاريخية والثقافية كإرث عمراني تاريخي وجب حمايته والحفاظ عليه من عبث الإنسان وعوامل الطبيعة ،من خلال ترميمه واستثماره سياحيا وثقافيا لخدمة التنمية المحلية.

٭الموقع الجغرافي:

تقع معلمة “أگديم” التاريخية شمال بلدة النقوب، بمحاذات واد النقوب،بالقرب من قنوات الري الرئيسية التي كانت تمد ساكنة النقوب وواحتها بمياه الري ومياه الشرب في مضى،قبل اعتماد الساكنة علي مياه الصنابير منذ سنين.

٭أصل التسمية:

“أگديم” agddim, ⴰⴳⴷⴷⵉⵎ, بتشديد الدال وكسرها وبتسكين الكاف المعقودة ،هو اسم أمازيغي منتشر في الجنوب الشرقي، مرادف للبرج المرتفع المبني بالأساس من الحجارة، والمشيد لأغراض عسكرية، خاصة مراقبة العدو والحماية من هجمات الأعداء.

٭تاريخ بناء “أكديم” :

إنه لمن الصعب جدا تحديد تاريخ بناء هذه المعلمة الدفاعية،نظر لقلة المصادر التاريخية أو كبار السن الذين يعرفون بالضبط التاريخ الدقيق، لكن ما اخبرني به بعض من استجوبتهم من كبار السن،يحددون تاريخ بناء المعلمة، بحدث مهم في تاريخ أيت عطا النقوب (أيت أونير) ألا وهو ما يسمى في الرواية الشفوية المتوارثة حرب” 11 ن أوتو” ،المعروف بإعلان 11 قبيلة الحرب على (أيت عطا النقوب) ،من بينها فروع من إخوانهم وبعض عرب درعة،في زمن الحروب القبلية، والصراع على الأراضي بين القبائل.

في خضم حالة النفير و استعداد (أيت أونير) النقوب،التي تشتت محاربوها بين حماية النقوب و حماية مخيماتهم بصاغرو ودادس،في هذا الخضم ،أسرع ما القبيلة في بناء برج “أگديم” كجدار دفاعي وكوسيلة عسكرية للمراقبة ومنع الأعداء من السيطرة على قنوات المياه أو تسميمها ،ومن جانب آخر،تمت الإستعانة ببعض الطقوس الحمائية التقليدية التي تولت القيام بها نساء خبيرات في المجال بتعاون مع أول فقيه للقبيلة جلب من سوس “السي احمد السوسي” ومازالت الروايات الشفهي تحكي عن مفعول تلك الطقوس في حماية ساكنة النقوب من الأعداء المتربصبن،حيث اصبحت منازل قرية النقوب مجرد أشجار أكاسيا في عيون المهاجمين ،فخافوا وفزعوا، لتكون بذلك ذلك الحدث عاملا لتقوية شوكة القبيلة من بعد.

ترجح بعض المصادر أن يكون رحل “أيت عطا” النقوب،المنحدربن أصلا من جبال صاغرو،قد اشتروا هذه الأرض”النقوب حاليا” من أحد المستوطنين الهلاليين قبيلة(أولاد هلال) عام 1862 بوساطةمن أحد شيوخ أيت ولال (قصة الشراء لا يتسنى)لنا الوقت لذكر تفاصيلها. بعد شراء الأرض بقي رحل أيت عطا النقوب لمايقارب 20 سنة في مناطق أزيلال (برنات) بالأطلس،وعادوا ليدشنون اللبنة الأولى لتشكل “إغرم”،حيث استقدموا أحد الفقهاء من سوس وبنوا أول منزل للسكن “تيكمي ن طالب”،حيث اتخذ كمسكن جماعي للعوائل الأولى المستقرة، وذلك في عام 1882، حسب معلومات مستقاة من وثيقة قديمة (ل يتسنى لنا الحصول عليها)، وبهذا نرجح أن تكون معلمة “أكديم” قد بنيت ما بين 1882 و 1900 على أقل تقدير.

٭من بنى “أگديم” ؟ :

حسب ما استقيته خلال مقابلة مع أحد كبار السن بالنقوب وهو مازال حيا،فمعلمة “أگديم” بنى 3 من أمهر البنائين، إثنان منهم من أيت عطا النقوب، والثالث من فرع أيت الربع تازارين، وهم:

حساين أوداود نايت خيرا(فرع أيت بحساين)

أوسيحس (فرع أيت أومناصف)

بها أوعدي (فرع إيت الربع تازارين)

وقد استغرق بناؤه (حسب نفس المصدر) ،أقل من أسبوع،حيث سخرت له القبيلة كافة إمكانياتها المادية من عمال و تموين وغيرها،نتيجة الضغط العسكري الذي شكلته تهديدات خصوم القبيلة.

كما أن القبيلة،قسمت حصص المراقبة بين محاربي الفروع المشكلة للقبيلة

. ٭ مميزات “أگديم” :

يتميز “أگديم” بشكله الدائري،حيث يبلغ ارتفاعه حوالي 8 أمتار وطول قطره حوالي 3 أمتار ونصف ،مبني بالأساس بنوع من الحجارة الصلبة المتواجدة بالمكان، والتي تم مسك بعضها بالبعض ب”الجير” والطين،مما ساعد في تماسك حجارتها.

يتكون هذا البرج من فتحات صغيرة كانت تستعمل لمراقبة كافة الجهات،بينما خصصت فتحات أصغر منها حجما للرمي ببنادق “بوشفر” ،بل أكثر من ذلك هناك فتحات لرمي العدو بشكل عمودي وفي أصعب الظروف، كما وضف أيت عطا النقوب، في بنائه خبرتهم العسكرية التي استفادوها خلال عقود من حروب الاستنزاف .

صمم “أگديم” ليأوي العديد من المقاتلين من أمهر الرماة، حيث كانوا يأخذون معهم المؤونة(غداء ومياه) التي تكفيهم خلال أيام الحراسة المشددة، كما خصصوا زاوية من البرج لقضاء حوائجهم،دون الحاجة إلى النزول وتعريض أنفسهم للخطر.

أما بخصوص سقف البرج،فقد سقف بجذوع النخيل ،أغصان شجر محلي ينبت على ضفاف واد النقوب ويسمى “أنگارف” ،بالإضافة سعف النخيل، والهدف من ذلك هو منع تسرب مياه الأمطار إلى البرج، لما عرف منها لمتانتها ومقاومتها لعوامل الطقس.

لكن ومع مرور الوقت،واستثباب الأمن داخل القرية و تراجع الحروب القبلية ،خاصة بعد توقيع بعض المعاهدات (تيفرگانين) مع بعض القبائل المجاورة، تراجع دور معلمة “أگديم” التاريخي والدفاعي،حيث تزايد عدد الأسر المستقرة بالنقوب،وانتشر بناء القصبات والبيوت الطينية،مما جعل القبيلة تتخلى عن برج “أگديم” ولم تعد تعتمد عليه كما في السابق وظل مجرد أطلال تذكر فقط بالماضي المجيد.لكن للأسف، طالته في وقت ما أيادي بعض الشباب “المتهورين” ،حيث قاموا بهدم سقفه وبعض أجزائه وقد يكون بعضهم اعتقد أنه ربما يكون بالبرج كنز أو بعض الأدوات الثمينة.لكن بالرغم من ذلك،ظل “أگديم ” صامدا أمام عوامل الطبيعة وأيادي البشر وظل شامخا يذكر الأحفاد بجزء غني من تاريخ الأجداد.

٭ ضرورة ترميم “أگديم” واستثماره سياحيا وثقافيا:

إن الأهمية التاريخية ،الرمزية والثقافية التي تكتسيها معلمة “أگديم” بالنقوب، وإمكانية استثماره سياحيا لخدمة التنمية المحلية،باعتباره إرثا تاريخيا غنيا تركه لنا الأجداد، كلها دوافع كافية لدعوة المسؤولين المحليين ومسؤولي وزارة الثقافة،الفاعلين الجمعويين، الباحثين، المستثمرين السياحيين والساكنة بشكل عام،إلى التعاون وتظافر الجهوذ من أجل إنقاذ هذه المعلمة ذات الأهمية البالغة،من خلال ترميمها ،حمايتها ، تعريف الأجيال و زوار بلدة النقوب و العالم بها، سعيا نحو إدراجه ضمن الموروث الحضاري والثقافي للمنطقة.

2018-12-26 2018-12-26

اترك ردا

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

العالم24
%d مدونون معجبون بهذه: