ربط المسؤلية بالمحاسبة : إعفاء وزير الاقتصاد و المالية .

اقدم العاهل المغربي اليوم 01 غشت عل إعفاء وزير المالية والاقتصاد محمد بوسعيد من مهامه الوزارية في بادرة لم يكن احد يتوقع ان تتم في خضم الاحتفال بذكرى عيد العرش ، وخاصة بعد اسابيع من تصاعد اصوات المغاربة الداعية الى الاطاحة بهذا الشخص المنفلت اللسان والذي لم يذكر له اي موقف سياسي ولا إقتصادي يحسب له منذ توليه هذه الحقيبة الوزارية المهمة بالنسبة لواقع ومستقبل البلاد.

الاعفاء بحد ذاته اطر من خلال البلاغ المعلن عن الاقالة في اطار الصلاحيات الدستورية للملك في مايخص اعفاء أعضاء الحكومة بعد استشار ة رئيس الحكومة العدالي بصفة المقال تابعا له، لا سيما وانه اول قرار اتخذ بعد خطاب العرش الذي اريد له ان يكون مرحلة للقطع مع الماضي وممارساته في الفساد والافساد، لكن المهم في القرار الذي هو سابقة في حد ذاته، يعود الى توضيح البلاغ لسبب الاقالة وهو مرتبط بكل وضوح بربط المسؤولية بمبدإ المحاسبة، اي ان بوسعيد لم يؤدي المهام المنوطة به بروح المسؤولية والتفاني في أداء المهمة المطلوب منه، واخل بشكل واضح بمهامه مما استدعى اتخاذ قرار الاعفاء كعقاب له.

لكن القرار وان لم يفصح عن الاخطاء المرتكبة من الوزير المقال وأوجه التقصير التي استدعت اتخاذ القرار الا ان المهتمين والمتابعين متاكدين من ان المسؤولية في حالة بوسعيد تعني الى جانب الامانة والنزاهة الاخلال بواجب الحرص على مخاطبة الشعب بكل الاحترام اللازم له واستحضار مراعاة انتقاء خطاب لائق خلال التعليق على بعض الملتمسات والتصرفات التي تصدر عن الشعب وممثليه وابنائه ومثقفيه ومناضليه دون ادنى تمييز مهما كانت مطالبهم او انتقاداتهم غير واقعية او مجانبة للصواب. والحال كهذه فالوزير المقال لم يستوعب ان المغرب تغير بشكل كبير عما في السابق وان الشعب ومناضليه اصبحوا اكثر جاهزية للتاثير في القرار السياسي بطرق غير تقليدية ودون المرور بالنواب والبرلمانيي الفاقدي للاهلية في نظر الشعب لتمثيله، والاهم من ذلك هو ان ملك البلاد لم يرقه ماقام به بوسعيد من اساءة في حق الشعب المغربي وعاقبه بهذا الشكل الذي اعتبره شخصيا احط من كرامة المقال بشكل يستحقه وبما يتناسب مع الذنب والتحاوز الذي لا يغتفر الذي اقدم عليها في حق الشعب الذي هو مناط التكليف ومنبع كل السياسات.

من جانب اخر لا يجب ان يبعدنا هذا التفسير الرائج للاعفاء عن حقيقة اساسية وترتبط بمحاسبة الوزبر على الاداء السيئ والتجاوزات التي صدرت من بوسعبد خلال اداء مهامه على رأس اكبر وزارة من حيث الاهمية بالنسبة للمغاربة، خاصة وان الملك استقبل قبل الاقالة رئيس المجلس الاعلى للحسابات وتسلم منه التقرير السنوي للمحلس مع مايتضمنه من التقارير الفرعية المرتبطة بمهام الافتحاص التي قام بها قضاة المجلس خلال السنة الماضية . كل هذا يحيل الى امكانية ان يكون في التقارير المسلمة ما يدين المقال بشكل واضح ويكشف عن اختلالات مالية قد يكون ارتكبها مباشرة وأحيل القارء هنا الى ما تحدثت عنه الصحافة من استثناءات ضريبية للشركات وتساهلات بل واعفاءات انتقائية في اداء الضرائب من الشركات واهمال في حماية المال العام مما اضر بشكل كبير بمالية الدولة وسبب لها نزيفا كبيرا، بالاضافة الى التراكمات المتتالية لنفس الوزير خلال مهامه السابقة داخل دوائر السياسة المالية للدولة. واهم دليل على ذلك قد يشرح الاقالة هو اعطاء وزارة المالية لشركات المحروقات ملايير من الدراهم دون موجب حق استخلصتها من الشعب الققير في اطار الغاء صندوق الدعم حيث ان الوزارة لم تدافع عن المواطن وانحازت الى راس المال، خاصة وان هذه الاموال يستحيل استرجاعها من ناهبيها لان الحكومة ضعيفة ولا تملك القوة للقيام بانصاف المواطن ورد حقوقه المسلمة لطبقة الاعمال.

لكن و كما طالب الشعب بالاقالة فهو ينتظر افصاحا اكثر لاسباب الاعفاء وتوضيحا سريعا للاخطاء التي ارتكبها المقال في حق المالية العمومية ، كما ينتظر ان يطال العقاب المدراء الذين يشرف عليهم بوسعيد بسبب المشاركة في الاخلال بالمسؤولية كما يجب الاجابة عن الدور الذي ادته مفتشيات المالية في الكشف عن الخروقات والعكس من ذاك هل كانت مقصرة في الكشف عنها وتوطأت مع المقال.

هذا هو الشق الاول في التعليق وهو بالنسبة لي ثانوي وان كان مهما، اما الشق الاساسي فهو ما موقع رئيس الحكومة في كل ما يجري وهل حقا كان له دور في ما جرى ام ان القابع على كرسي الحكومة كان كعادته مغيبا وبعيدا عن الاحداث السياسية والاجتماعية والمخاض الذي يعرفه المغرب حاليا. الظاهر في الامر هو ان رئيس الحكومة لم يكن له دخل في الموضوع والدليل على ذلك هو الطريقة التي ادار بها ازمة المقاطعة والاحتقان المرتبط بها حيث انه ظل يسمع وزراءه ونوابه حزبه ورؤساء شركات القطاع الخاص يسيؤون ويتجاوزن في حق المواطن ولم ينبس ببنت شفا ليدافع ولو بكلمة عن المواطن بل والامر من ذلك لم يستطع ان يلجم نواب حزبه ولم يتخذ اي اجراء في حقهم حتى ان هؤلاء تمادوا في غيهم ولم يكتفوا بالاساءة للمواطن بل سعوا لضرب استقرار الوطن متمسكين بسياسة التآمر حيث ان احدهم اراد قلب الاستقرار وخلخلة الثوابت وارجاع المغرب لسنوات الرصاص، هذا وغيره يمثلون الاستبداديون من داخل الحزب من صقور تربوا على ايدي قيادات الحزب و رضعوا من حليب نظريات المؤامرة واساليب مواجهتها التي مافتى هؤلاء يتدارسونها خلال السبعينات والثمانينات مستأنسين بما وقع في إيران كمثال يجب الاقتداء به.

المهم ان السي العثماني قانونيا واخلاقيا مسؤول عن تجاوزات وزير ماليته ويجب ان يتحمل مسؤوليته في هذه الاقالة في اطار مبدإ المسولية والمحاسبة ومحاربة المفسدين التي صدع رأس المغاربة بها خلال الاسابيع الماضية، ولو كان متأسيا بنهج الكرام والسلف الصالح من اخيار الامة كما يقول، لواجه الامر بمسؤولية ورفض ان يكون وزيره كبشا ومتحملا للمسؤولية لوحده.

لكن هيهات ان يرقى هؤلاء بنا الى مستوى الدول الراقية حيث ان المحاسبة تطال الجميع وهي سيف على رقاب كل من ثبت في حقه الاخلال بالمسؤولية، فكيف نفسر انه لم نسجل لاحد من وزراء واعضاء الحزب موقف استنكر فيه افعال بوسعيد و سياساته ولم يقم احد منهم ولو كان من متطرفي الصقور في الحزب بان يقول ولو كلمة في حق بوسعيد في السابق، كما يفعلوا كل مرة في حق اخرين، ان لم يكن هذا خوف من ان تطال المحاسبة رئيس الحكومة كمسوؤل عن الوزير المقال فذلك لعمري تواطئ وخيانة للمسؤولية امام الشعب والمواطن، فالعثماني وغيره لا يمكنه ان يدعي عدم العلم بالشيى فوزراؤه كبوليف يجالسون بنسيعيد ويداولون معه في تسيير الوزارة.

كخلاصة لهذا الحدث تستوقفني بعض النقاط الاساسية بالارتباط بهذه اللحظة المهة في تاريخ السياسية المغربية:
– أولا، إننا كمواطنين نبقى تواقين لمعرفة أسباب الاقالة الحقيقية والتجاوزات التي قام بها بوسيعد والتي استوجبت اقالته
– ثانيا ، نحن متأكدون بان إساءة بوسعيد للمواطن المغربي السابقة كانت السبب الاساسي والمهم في اتخاذ القرار نزولا عن رغبة العامة.

– ثالثا، الاعفاء هو سابقة ستلجم أفواه المستهترين من الذين لا يراعوا حرمة المواطن والشعب ويتلفظون في حقه بالفاظ مسييئة في حقه ، وندعو بهذه المناسبة ان يعم اجراء المحاسبة على الاساءات اللفضية في حق الشعب أو احد مكوناته اقلاما مرتزقة واشباه صحفيين يستعملون غطاء الصحافة للاساءة للمغاربة ، وهنا أذكر القانونيين المغاربة والنيابة العامة ان شخصا أساء لمكون متجذر من الشعب المغربي وهم امازيغ الاطلس المتوسط وطعنهم في شرفهم وقال في حقهم ما لم يقل بوسعيد منه ولو عشره، فلماذا يترك هذا ويحاسب الاخر، ان لم يكن ذلك انتقاء فما نسميه ايها السادة.

– رابعا، بهذه الاقالة والعقوبة اتضح ان الشعب ليس حلقة ضعيفة في المشهد السياسي المغربي وان الاساءة له لا تمر دون عقاب.

– خامسا الحكومة بعيدة عن الشعب ولا يهمها الا ان تواصل وجودها في موقعها ولا تولي المسافة التي تفصلها عن المواطن اي اهتمام، وهذه الاقالة لا تزيد الهوة الا اتساعا بين الشعب وممثليه سواء من في الحكومة او في البرلمان بشقيه على اعتبار انه لم يسجل لاحد منهم موقف اوتنديد بالوزير المقال طوال السنوات الماضية ولم يفصح احد للشعب عن تجاوزاته.

الاقالة في حد ذاتها انجاز لكن هل ستكرس لدى السياسي المغربي خوفا من المحاسبة ومن القانون؟ وهل سيطال العقاب كل من اساء في اداء المسؤولية او تجاوز في حق الشعب بالاساءة اللفظية والانتقاص من حقه وضربه في شرفه؟.

قد يعجبك ايضا
Loading...